• jQuery Image slider حفل تحضره الملائكة
  • jQuery Image slider الأخ النابـه المستشار عبد الله العقيل
  • jQuery Image slider يا منصف الأعلام ... إلى المستشار عبدالله العقيل
  • عربي
  • انجليزي
  • فرنساوى
  • أردى
«اسهامات ثقافية

مدينة القدس هي عاصمتنا السياسية والوطنية

الدكتور تيسير التميمي

علم المسلمون ما تمثله مدينة القدس المباركة في عقيدتهم ؛ فحرسوها وسيَّجُوها بأرواحهم ورووها بدمائهم ، فما تعرضت يوماً لغزو أو احتلال أو مساس إلاَّ هبَّوا لتحريرها ورد العدوان عنها ، لأن التخلي عنها تفريط في العقيدة ، وطعنٌ لهم في عزتهم وكرامتهم ومظهرٌ لهوانهم ، فكانت دوماً من أبرز عوامل وحدة الأمة .

لذا فقد أولاها الخلفاء وقادة الأمة بالرعاية والحراسة والحماية ، وقد كانت البداية بالفتح العمري الذي كرّس إسلاميتها وعزز طابعها الإسلامي ، فلم تُرَق فيها قطرة دم ، واشترط بطرقها الأكبر صفرونيوس أن يسلم مفاتيحها إلى خليفة المسلمين بنفسه وكان لهذا الشرط دلالته ووزنه السياسي والديني ، فاستجاب عمر وخرج فعلاً من المدينة المنورة إليها في رحلة تاريخية ، وتسلم مفاتيحها دون سائر المدن الأخرى التي فتحت في عهده ، وعقد مع أهلها اتفاقية الأمن والسلام المعروفة بالعهدة العمرية ؛ والتي شهد على وثيقتها أربعة من الصحابة رضي الله عنهم ، فمثلت أساساً للعلاقات بين المسلمين والمسيحيين في هذه الأرض المباركة ما زالوا يسيرون على هداها حتى اليوم ، أمَّنهم فيها على معابدهم وعقائدهم ودمائهم وأموالهم ، وتعهد لهم بعد إصرارهم بتنفيذ اشتراطهم عليه بألاَّ يسكنها معهم أحد من اليهود ، وحفظ لهم هوية كنائسهم ولم يحاول الاستيلاء عليها ؛ بل امتنع عن الصلاة فيها لئلا تكون صلاته سبباً في سيطرة المسلمين عليها في أي عهد من بعده ، لكنه لم يجد فيها كنيساً ولا هيكلاً .

إن أهمية هذه المدينة المباركة وقدسيتها ؛ ومكانة المسجد الأقصى العقائدية لدى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها جعلتها مطمعاً للغزاة . ويمثل الاحتلال الإسرائيلي لها ولأرض فلسطين أبشع صور غزوها على مر التاريخ ، فهو يدنس المقدسات وينتهك الحرمات بمخططات ومؤامرات واضحات ؛ والأدهى من ذلك أن معظمها دخل حيز التنفيذ وأمة الإسلام ذاهلة لاهية أسكتها الضعف والإرهاب وخوف القوة الغاشمة .

شهدت مدينة القدس أياماً عصيبة باحتلال الفرنجة مدة قاربت قرناً من الزمان ، عانى فيها المسلمون المرارة والبلاء والألم ، فتولَّد لديهم الأمل والتلهف لاسترجاعها والجهاد من أجلها ، إضافة إلى التعلق الروحي بها ، وتحولت هذه المدينة ذات الحرمة البالغة إلى رمز الجهاد والتحرير . نزح أهلها تحت ضغط مذابح الفرنجة إلى الشام والتي كان منها ذبح سبعين ألفاً في ساحات المسجد الأقصى المبارك ، استقبل نور الدين المقدسيين في دمشق وقرّب علماءهم ، فثابروا على مساندة الجهاد وشاركوا في جيشه وجيش صلاح الدين ، الذي حررها من الفرنجة في ذكرى الإسراء والمعراج عام 583 للهجرة بعد موقعة حطين . وفي غمرة هذا الانتصار والعزة والتمكين لم ينتقم ، بل استحضر قول الله تعالى { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ } النحل 126 وخيّرهم بين العودة من حيث أتوا أو البقاء في ظل رعاية الإسلام وسماحته ؛ مما يؤكد أن المسلمين على مر الأيام هم المؤهلون للسيادة على الأرض وحماية الإنسان والمقدسات .

وفي رمضان عام 658 للهجرة كانت معركة عين جالوت بقيادة المظفر قطز شاهداً آخر على قيام الأمة بفريضة تحرير بيت المقدس وتخليصها من براثن الأعداء ، فقد تصدى كل من الظاهر بيبرس والمظفر قطز للغزو الوحشي التتري الذي اجتاح العالم الإسلامي حتى انهزموا شر هزيمة ، ثم حررت نهائياً على يد الأشرف خليل بن قلاوون .

ظلت مدينة القدس المباركة أرضاً للسلام ما دامت جزءاً من دار الإسلام ، وكانت على مدى التاريخ الإسلامي مركزاً عاش فيها المسلمون والمسيحيون معاً ، لكنها نُكِبَت منذ الفتح الإسلامي - الذي لم يَرْتَقِ أيٌّ من غزاتها أو فاتحوها إلى مستوى عدالته وتسامحه - بكارثتين في تاريخها من أسود أيامها وأحلك لياليها، كارثة احتلال الفرنجة التي اندثرت، ونكبة الاحتلال الصهيوني التي ستندثر بإذن الله.

لم يتمكن الفرنجة قديماً ولا الصهاينة حديثاً من إثبات وجودهما في القدس وفلسطين إلاّ بمحاولتهم تدمير الوجود الإسلامي فيها من خلال جرائم التطهير العرقي وبهدم تاريخها العربي وتغيير تراثها الفكري ؛ في محاولات فاشلة للتنصير أو التهويد ، بينما تميَّزت النظرة الإسلامية إلى القدس عقائدياً وتاريخياً بأنها رؤية تسامح وتعايش وسلام بين الجميع ، فهل هدم المسلمون كنيسة فيها أو حاولوا أَسْلَمَتَها !

لم يصنعوا شيئاً من ذلك ، بل ظلت القدس المباركة تفيض بالتسامح الذي رعاه الإسلام ، وبالحريات الدينية التي احترمها للآخر . فبينما حرَّم الفرنجة على المسلمين دخول القدس أو ممارسة شعائرهم التعبدية فيها ، وصادروا الأماكن الإسلامية المقدسة ، وبالأخص المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة ، وحاول الصهاينة وما زالوا يحاولون تهويدها بصورة ممنهجة منظمة منذ احتلال مدينة القدس عام 1967م دون توقف وبكل الوسائل الممكنة ، فإن المسلمين تركوها مفتوحة أمام المسيحيين ، وتولوا حماية مقدساتهم فيها .

وفي التاريخ المنتظر الذي ستنتهي في إثره الحياة الدنيا ، ستكون القدس أرضه ومسرحه :

يبدأ بسيطرة الكفر وانتصاره وانتشاره في آخر الزمان ، فتكون القدس يومها ملاذاً للناس وعصمة ، ففيها خلافة المهدي ، قال صلى الله عليه وسلم في حديثه عن خروج الدجال " فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات ... " قيل يا رسول الله فأين العرب يومئذ ؟ قال " هم يومئذ قليل وجُلُّهم ببيت المقدس ، وإمامهم المهدي رجل صالح منا أهل البيت ... " رواه ابن ماجه ، وفيها ينزل سيدنا عيسى عليه السلام ويصلي بإمامة المهدي في بيت المقدس ، فيتبعه المسلمون ، فإذا خرج الدجال على الناس فإنه { سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس } رواه أحمد .

وفيها نهاية الدجال حيث { يخرج إليه شرار أهل المدينة حتى يأتي فلسطين بباب لُدٍّ فينزل عيسى عليه السلام فيقتله " رواه أحمد . أما نهاية من شايعه من اليهود فتكون على أيدي المسلمين ، يتوارَوْن وراء الشجر والحجر فينطق كلٌّ منهما دالاً على أعدائهم بلسان الحال أو المقال ، قال صلى الله عليه وسلم { قال لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون ، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلاَّ الغرقد فإنه من شجر اليهود } رواه مسلم .

وفيها مهلك أعظم الأمم إفساداً في الأرض – يأجوج ومأجوج – ، الذين يخرجون على الناس ويسيرون حتى ينتهوا إلى جبل بيت المقدس - كما روى مسلم - ويخرّبون ثروات الأرض ويشربون ماءها ويكونون مصدر تهديد ، حتى إن سيدنا عيسى عليه السلام والمسلمون معه يَتَحَصَّنُون منهم ، فيتضرعون إلى الله بالدعاء ، فتهلك يأجوج ومأجوج .

هذه مكانة القدس في تاريخ الأمة ، وهذه مكانة المسجد الأقصى المبارك مسرى رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم وأولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين ، افتدوها بالأرواح ، أما اليوم فما موقف الأمة منهما .

ترى الأمة اليوم وتسمع ما يحل بمدينة القدس المباركة من جرائم التطهير العرقي التي ترتكبها سلطات الاحتلال الإسرائيلية بكل الصوره والأشكال جغرافياً وديموغرافياً وسياسياً وقانونياً بهدف تهويدها بالكامل ، ولكنها لا تحرك ساكناً وكأنها لا تعنيها ولا تمتّ لها بأية صلة ، وترى الأمة اليوم وتسمع ما يحل بالمسجد الأقصى المبارك من انتهاكات لقدسيته وتدنيس لحرمته وتغيير لهويته الإسلامية وتهديد لبنيانه بهدف تقويض أركانه وإقامة الهيكل المزعوم في مكانه ، ولكنها لا تحرك ساكناً أبداً وكأنه لا يعنيها ولا يمثل جزءاً من عقيدتها .

أين منظمة التعاون الإسلامي ! أين لجنة القدس ! أين مؤتمرات القمة الإسلامية التي بحت أصواتنا ونحن ننادي بانعقادها العاجل ! حتى المؤتمرات السابقة التي عقدت هل نفذت قراراتها ! أين المسيرات الشعبية الغاضبة التي تنطلق انتصاراً للقدس والأقصى !

قد نلتمس عذراً لساسة الأمة بعجزهم عن مخالفة القائمين على أركان السياسة العالمية والقوى العظمى ولو ببيانات الشجب والإدانة كالسابق ، ولكن هل من عذر للشعوب التي عهدناها تهب من أجل القدس والأقصى وفلسطين غير مبالية بقمع حكامها ! وإن التمسنا للشعوب عذر قهر الأنظمة فهل من عذر لأبناء شعبنا الفلسطيني الذين يحجم بعضهم عن مشاركة المرابطين والمعتكفين والمدافعين عن القدس والأقصى ! هل من عذر لنا في ترك مدينة القدس وهي عاصمة دولتنا السياسية والوطنية بناء على نص المادة الثالثة من القانون الأساسي الفلسطيني !

من المعلوم قانونياً في عالم السياسة أن العاصمة هي عنوان سيادة الدولة ونظامها ومركز مؤسساتها ، فالعاصمة في اللغة تعني الحامية ، إذن فبقاء العاصمة وثباتها هو عنوان بقاء الدولة وصمودها ، وسقوطها يعني سقوط النظام وانهيار الدولة ، وهذا واضح ومعلوم للجميع سياسياً في الماضي والحاضر ، ففي ثورات الشعوب وفي الاحتلالات وفي حروب التحرير التي تعلمناها في التاريخ القديم والحديث والمعاصر كان التركيز الأكبر على العاصمة ، فهي من أكبر رموز الدولة والسياسة والسلطة ، وسقوطها بيد الأعداء إيذان بسقوط الدولة وانهيار النظام والسيادة والسلطة ، فكيف لا نتحرك لحماية عاصمتنا ! كيف لا نهب للذود عنها ! وهل نستحقها بعد ذلك ! وهل من وزن لدولة بغير عاصمتها !

-----------

الشيخ الدكتور تيسير التميمي/قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً أمين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس www.tayseer-altamimi.com ، info@tayseer-altamimi.com

: المقال الاكثر قراءة
• دور الجامعة الإسلامية العالمية