• jQuery Image slider حفل تحضره الملائكة
  • jQuery Image slider الأخ النابـه المستشار عبد الله العقيل
  • jQuery Image slider يا منصف الأعلام ... إلى المستشار عبدالله العقيل
  • عربي
  • انجليزي
  • فرنساوى
  • أردى
« تربية

المدرسة.. رسالة ورسول

بقلم: د. محمد أبو اليزيد

بادئ ذي بَدء؛ فإن لكل رسالة رسولاً، ثم أشخاصًا يحملونها من بعده تبدو ملامحها من خلالهم؛ والمعلم بوصفه حامل العلم ووارث الأنبياء، فهو ذلك الرسول الذي نعنيه، أما التلميذ بوصفه طالبًا لتلك الرسالة فعليه أن يحملها ويأخذها بحقها حتى تؤتي أُكلها بإذن ربها؛ وإلا تبدَّدت تلك الرسالة بين يديه كما يتبدَّد الماء بين فروج الأصابع.

ولكن ما واجب المعلم تجاه رسالته؟ وما واجب الطالب تجاه أمانته؟ وما واجب المجتمع الذي يمثله الأب والأم في البيت والشيخ في المسجد والرفقاء في أزقة المدائن؟

لو أننا بدأنا بالمعلم؛ فهو ذلك الشخص الذي يعرف أولاً أنه حامل رسالة، لا بد أن يكون جديرًا بها، ولم يعرف التاريخ على امتداده حامل رسالة كسولاً أو غير فطن، وإنما يتحتم على حامل الرسالة الجد والاجتهاد ليبلغ رسالته بكل قوة وحكمة، وما دمنا نتحدث عن شروط حامل الرسالة وحكمته فلا بد له أن يتعرف على طباع تلاميذه وطلابه، وأن يتعامل مع كلٍّ على قدره، ولا يحملن كل القطيع على قدم واحدة، فقد يكون في قطيعه الأعرج والأعمى والمريض، ومن يطالع منا علوم التنمية البشرية يتعرف على ما يسمونها بالأنماط الشخصية (السمعية والبصرية والحسية)، فكل نمط من هذه الأنماط يحتاج إلى معاملة خاصة، فوجب على المعلم حامل الرسالة أن يجاري كل نمط من هؤلاء، وأن يكون فنانًا بحق في الوقوف على شخصيات تلاميذه جميعًا، وفنانًا كذلك في التعامل معهم.

هذا عن أسلوبه وبعض طرق تعامله، أما عن رسالته ومحتواها؛ فعليه أن يقدم لطلابه غذاء روحهم ولبنات شخصياتهم، وليعلم أنه يصنع أشخاصًا وقيمًا لا وظائف ومركبات، وأن مضمون رسالته ومحتواها هو مادة تشكيل تلك الشخصيات، فلينتقِ رسالته، وليدعم حجته بما يضمن وصول الرسالة إلى مكانها وبشكل قويم.

أما وقد وصلت الرسالة إلى صاحبها وطالبها فعلى الطالب أن يقف هو الآخر تجاه تلك الرسالة ويأخذها بحقها وبقوة، حتى تُثمر شجرتها وتقوى خلايا المجتمع من ثمارها، ورب سائل يسأل عن سبب ضعف المجتمع في هذه الأيام الماضية والجواب منه قريب، يتمثل في أن تلك الرسالة لم تقم بحقها، فلم يأكل المجتمع من ثمارها، فضعفت خلاياه، وبهت وجه القوة فيه، حين أصبح حامل الرسالة لا يفقه رسالته بل لا يحبها، وبات طالب الرسالة لا يريدها إلا في مدة محدودة هي مدة دخوله الامتحان، ثم يغضُّ طرفه عنها وكأنها من المحرمات عليه.

ولذا وجب على الطالب أن يتعلم لزمانه لا لامتحانه، وأن يحافظ على رسالته التي يطلبها وإلا ما كان له أن يتجشَّم طلبها، ثم يتركها، فهذا عين العبث، ولو نظرت عليه بعد كبره لا تستطيع أن تفرق بينه وبين الجاهل الذي لم يطلبها، وعليه اندثر دور الأب اللقماني الناصح لبنيه.

أما الأب والأم فلنقف عندهما دقيقة تقديرًا لإيمانهما بعظم الرسالة؛ فبعثا بولدهما ليحملها عن أستاذه فلهما كبير التقدير، ولكي نمد لهما التقدير أميالاً وأعمارًا؛ وجب عليهما مراقبة تلك الرسالة في يد وليدهما الذي قد يعبث بها ولا يقدر جلالها فتحول بين يديه لعبة في يد طفل غير مكترث ولا مراقب ما تلبث إلا أن تتحطم على أول عتبة يصادفها.

فعلى كل أب وكل أم لا نقول قفوا لأولادكم بالمرصاد لتكونوا كالسجان على باب مسجونه، وإنما قفوا مرشدين معلمين.

إن المجتمع المصري وبكل أسف كاد أن يفقد الأب اللقماني الناصح لابنه، لماذا؟ هل لأن الأب مشغول؟ أقول له إنَّ كل شغل عن بيتك هراء، أم أنه لا يملك النصيحة؟ أقول له ظلمت نفسك إذ تزوجت لأنك لم تستطع الباءة، وظلمت ولدك إذا كنت والده، إذن فليكن كل أب على قدر مسئوليته وليرعَ رعيته وليعلم أنه مسئول، فليعدَّ للسؤال جوابًا وإلا أصبح من الخاسرين، وليبدأ في تفقيه نفسه وتعليمها قبل لات حين مناص.

أما الشيخ والمسجد فالكلام كثير سنفرغ له، ولكن لب القول فيه أن يقرن الشيخ دينه بدنياه ولا يفصل في دروسه أو خطبة بين الدين والدنيا فما جُعل الدين إلا تقويم الدنيا، وليناقش الناس والشباب في أمور دينهم ويرسم الخط  القويم لهم، ويرشدهم إلى طلب العلم قبل أن يملأ آذانهم بالتجريح في العلماء، وليتذكر كل شيخ في كل مسجد أن النفس همامة إن لم نشغلها بالحق شغلتنا بالباطل، وإن كان الشيخ هو المتزعم للصلاح فلم يترك الشباب دون إصلاح وليس بعد الإصلاح إلا الفساد؟!

لا شك أن هذا السكوت أو الانزواء بعيدًا عن ميدان الإصلاح يفرخ فيه الفساد ويبيض، وينتج ألوانًا وأخلاطًا من الشباب التائهة الذي تاهت الأمة على إثره، فالأصدقاء يعدي بعضهم بعضًا، والطيور على أشكالها تقع، وكي تصل الرسالة وتنمو شجرتها لا بد لها من طائر قوي لا يقع على الجيف وإلا تلطَّخت وتدنست ونالتها الأتربة وربما ضاعت بين أشلاء الأمم الصريعة.

وأخيرًا وليس آخرًا.. على المعلم فهم رسالته ومسئوليته وعلى الطالب وعيها من بعد أستاذه وتحمل أمانته، وعلى الأب والأم مراقبة ابنهما بكل وعي وفطنة ومران، وعلى الشيخ أن يصنع من مركبات الدين أدوية لمجتمعاته ولا يفصل بين المريض ودوائه، وعلى الشباب أن ينظر كل منهم من يخالل.

---------

* مدارس الدعوة بسوهاج.

المقال الاكثر قراءة
• وسائل عملية لتربية الأولاد على الصفات العشر