• jQuery Image slider حفل تحضره الملائكة
  • jQuery Image slider الأخ النابـه المستشار عبد الله العقيل
  • jQuery Image slider يا منصف الأعلام ... إلى المستشار عبدالله العقيل
  • عربي
  • انجليزي
  • فرنساوى
  • أردى
« تربية

حاجتنا إلى الأخلاق

بقلم: أ.د. عبد الرحمن البر

أَجْمَلَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسالته كُلَّهَا فِي مَكَارِمِ الأَخْلاقِ حين قال فيما أخرجه أحمد والبخاري في الأدب بسند صحيح: "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلاَقِ" وفي رواية عند البزار والبيهقي: "مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ"، وفي رواية عند مالك في الموطأ: "حُسْنَ الْأَخْلاَقِ".

وَقَدْ حلت قَضِيَّةُ الْأَخْلَاق مَحَلَّ الصَّدَارَةِ مِن اهتمام المفكرين والساعين لبناء النهضات والحضارات، فَهِيَ أَسَاسُ قِوَامِ الْأُمَمِ، وَعَامِلُ الْحِفَاظِ عَلَى بَقَائِهَا، كَمَا قال أمير الشعراء:

إِنَّمَا الْأُمَمُ الْأَخْلَاقُ مَا بَقِيَتْ   فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلَاقُهُمْ ذَهَبُوا

وقيل: "في حسن الأخلاق سعة كنوز الأرزاق", وقيل: "صفاء الأخلاق من نقاء الأعراق, وإنما تحيا الأمم بأخلاقها". ولله در القائل:

ولو أنني خُيِّرْتُ كلَّ فضيلةٍ  ما اخترتُ غيرَ مكارمِ الأخلاقِ

ذلك أن من كرُمَتْ أخلاقه حسُن سلوكُه، وانضبطت تصرفاتُه واتسقت مع قواعد الشرع والقانون والعرف الكريم، بغض النظر عن العقوبة التي قد يضعها القانون للمخالف، لأن الفطرة السليمة تجعل الإنسان يفهم الحرية فهمًا صحيحًا، فيستنكف الحر أن يقع في الخطأ مروءةً وإباءً قبل أن يمتنع خوفًا من العقوبة، كما جاء في رواية ابن جرير عن هند بنت عتبة عند بيعة النسوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال لهن: ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ تَزْنِي الْحُرَّةُ؟ قَالَ: "لَا وَاللَّهِ مَا تَزْنِي الْحُرَّةُ". لا يخطر في بالها أن الحرة الأبية ترضى أن تقع في هذه الخطيئة، وقد جاء في رواية سعيد بن منصور أنها قالت: "لقد كُنَّا نستحي من ذَلِك فِي الْجَاهِلِيَّة فَكيف بالإِسلام؟" وقد ورد أن عمر رضي الله عنه قال: "لو كان قلبُ نساءِ العرب على قلب هند ما زَنَت امرأةٌ قط".

ولله درُّ شاعر النيل حافظ إبراهيم إذ قال:

وإذا رُزقتَ خليقةً محمودةً   فقد اصطفاك مُقَسِّمُ الأرزاق

وجميع الأديان إنما تدعو إلى تلك الأخلاق الفاضلة، ويؤكد كل العقلاء أن بقاء ورقي ومصير الدول والحضارات مرهون بتمسكها بالأخلاق التي شرعها الله لعباده وأمرهم بها لتكون أسباب سعادة الأمم ورقيها وبقاء حكمها ودولتها، وقد قيل:

وليس بعامرٍ بُنيانُ قومٍ    إذا أخلاقُهم كانت خرابا

وقال حافظ إبراهيم:

إذا أُصيب القومُ في أخلاقهم    فأقم عليهم مأتمًا وعويلا

ومما ذكره الله سبحانه وتعالى في القرآن من صفات أهل الإيمان وأخلاقهم يُعلَم أن الأمة لا تستقيم ولا تقوم دولتها إلا بهذه الأخلاق، فإذا استقامت عليها حكامًا ومحكومين كتب الله لهم النصر وأيدهم بروح منه، كما جرى لسلفنا الصالح في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده، وكما وعدهم سبحانه بذلك في قوله عز وجل: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج: 40).

لهذا كانت التربية في جوهرها عند الأمم الناهضة عملية أخلاقية، بل يعتبر كثير من رواد التعليم أن النمو الأخلاقي هو الغاية القصوى من العمل المدرسي والتعليمي كله، وأن هدف التربية هو غرس الفضيلة في النفوس.

وقد كان الإسلام سباقًا إلى تأكيد هذه المعاني مع ربط الأخلاق بالوحي، إذ يربي المؤمن على أن يكون مصدر خير وسعادة لنفسه وللناس من حوله، وعلى أن يكون ضاربًا بسهم في تحقيق الأمن والاستقرار والنمو في المجتمع الذي يعيش فيه، وفضلاً عن آيات القرآن العظيم التي أحصى بعض الباحثين أن ربعها يتناول الأخلاق؛ فقد كثرت كثرة بالغة الأحاديث النبوية الداعية إلى تربية النفس والأمة على الأخلاق العملية الفاضلة، ومن باب الإشارة فقط أنقل لحضراتكم ما رواه البخاري في الأدب المفرد تحت عنوان باب حسن الخلق، بأسانيد صحيحة:

- عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا مِنْ شَيْءٍ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ".

- وعنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَكَانَ يَقُولُ: "خِيَارُكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا".

- وعنه أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبِّكُمْ إِلَيَّ، وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟" فَسَكَتَ الْقَوْمُ، فَأَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، قَالَ الْقَوْمُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "أَحْسَنُكُمْ خُلُقًا".

- وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِذَا كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا.

وعمدة الباب في هذا الأمر الحديث المتفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ"، وفي رواية: إِنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ؟ قَالَ: "مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ"، وفي رواية أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الإِسْلاَمِ أَفْضَلُ؟- وفي لفظ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ؟- قَالَ: "مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ، وَيَدِهِ".

إن سلامة الناس من لسان المسلم ويده هي الحد الأدنى للأخلاق التي يربي عليها الإسلام أبناءه ومعتنقيه، حتى تتآلف قلوبهم وينصرفوا إلى التعاون فيما بينهم تفريغ طاقاتهم فيما هو نافع ومفيد لأنفسهم ولأمتهم وللدنيا من ورائهم، ولهذا كان نفع الآخرين وإدخال السرور عليهم أحب الأعمال إلى الله، فقد أخرج الطبراني عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ وَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكَشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلَأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ- يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ شَهْرًا- وَمَنَ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ مَلَأَ اللهُ قَلْبَهُ رَجَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يَتَهَيَّأَ لَهُ أَثْبَتَ اللهُ قَدَمَهُ يَوْمَ تَزُولُ الْأَقْدَامِ"، ولا تزال الأخلاق ترتقي بالمسلم حتى تصل به إلى الإيثار، فيقدم حاجة أخيه على حاجته الماسة، ويقدم من نفسه لإخوانه ما هو في مسيس الحاجة إليه ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: 9).

وهل تحتاج الأمم الناهضة إلى أكثر من هذا لتتجاوز أزماتها وتنطلق في بناء مستقبلها بروح الأخوة والوحدة والتعاون، لا بروح الفرقة والتخاصم التي تدمر ولا تعمر وتهدم ولا تبني، وتمضي بالأمة نحو السقوط، ويرحم الله أمير الشعراء إذ قال:

وَإِنَّما الأُمَمُ الأَخلاقُ ما بَقِيَت   فَإِن تَوَلَّت مَضَوا في إِثرِها قُدُما

وأختم ببشارة النبي صلى الله عليه وسلم "ببيت في أعلى الجنة لمن حسَّن خلقه"، وبما أخرجه الطبراني عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا, الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا, الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ, وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ, الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ, الْمُلْتَمِسُونَ لِلْبُرَآءِ الْعَنَتَ (الْعَيْبَ)". ورحم الله يحيى بن معاذ الذي قال: "حسن الخُلق حسنة لا تضر معها كثرة السيئات, وسوء الخُلق سيئة لا تنفع معها كثرة الحسنات".

فاصلة: الداعية لا ينسى دعوته: بعض الإخوان الذين ارتضعوا لبان الدعوة وعاشوا في أكنافها زمنًا، ثم بدا لبعضهم أن يفارقها لأسباب يراها مقنعة من وجهة نظره، نرى كثيرًا منهم لا يفوت فرصة للنيل من الجماعة أو للحديث عنها بما لا يصح، وبما يتنافى مع الأخلاق التي يتربى عليها الإخوان من مراعاة سابق الوداد والعهود وحفظ الجميل والمعروف، الذي علَّمنا إياه الشافعي في مقولته الرائعة: "الحرُّ من راعى ودادَ لحظة، وانتمى لمن أفاده ولو بلفظة"، ويعلق كثير من شباب الإخوان على انشغال إخوانهم السابقين بالشأن الإخواني بالقول: ألستم قد تركتم الجماعة؟ إذًا فدَعُوها وشأنَها، ولا دخل لكم بها!. وأود أن ألفت نظر إخواني إلى أن هذا تعليق غير مقبول، وكذلك استخدام الألفاظ والعبارات المسيئة لأولئك الإخوان تتنافى مع أخلاقنا التي نتواصى بها في جماعتنا، فمن كان معلقًا على شيء من ذلك فليقل خيرًا أو فليصمت، وأؤكد أن كثيرًا ممن فارقوا الجماعة لا تزال قلوبهم تحن إليها وإلى ليالي الإيمان والربانية التي تفيأوا ظلالها يومًا ما، وأنهم إن كانوا اتخذوا ما اتخذوه من مواقف تعبيرا عن رفضهم لسلوك فرد أو مجموعة فإن أرواحهم لا يمكن إلا أن تكون متعلقة بالدعوة التي يدركون نقاءها وسلامة منهجها وشدة احتياج الدنيا إليها، ولهذا لا يملكون أن يمنعوا أنفسهم من التفاعل سلبًا أو إيجابًا مع كل ما يتعلق بها من مواقف وأخبار، وما سمعت أو قرأت لأحد منهم تعليقًا إلا تذكرت قول الشاعر:

أمَا واعَدْتَنِي يا قلبُ أني  إذا ما تُبْتُ عن ليلى تتوبُ

فها أنا تائبٌ عن حُبِّ ليلى  فما لَكَ كلما ذُكِرتْ تذوبُ

وعلى كل حال فأبواب جماعتهم ودعوتهم مشرعة دائمة ومفتوحة باستمرار لمن يريد أن يجدد العهد ويستأنف الود، وعلى الله قصد السبيل

المقال الاكثر قراءة
• وسائل عملية لتربية الأولاد على الصفات العشر