• jQuery Image slider حفل تحضره الملائكة
  • jQuery Image slider الأخ النابـه المستشار عبد الله العقيل
  • jQuery Image slider يا منصف الأعلام ... إلى المستشار عبدالله العقيل
  • عربي
  • انجليزي
  • فرنساوى
  • أردى
« دعوة

سبعة عشر مُوجبةً لحمد الله تعالى على الضراء

نَبِيُّنَا- صلوات الله وسلامه عليه- كما قال عيسى عليه السلام "وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ" (الصف: من الآية 6)، أي أكثر الخلق حمدًا- لكثرة حمده لله تعالى، فهو "حامد" لخالقه وهو مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أي محمود- من الخلق لأخلاقه، وهُوَ صَاحِبُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يوم القيامة وَأُمَّتُهُ هُمْ الْحَمَّادُونَ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ. وفي الجَنّة بيتٌ يُقال له بيتُ الحمد، خُصَّ للذين يحمدون الله في السرّاء والضراء ويصبر ونعلى مُرِّ القضاء، روى الترمذي بإسناد حسن عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ما تولَدُ العبد قال الله- تعالى- لملائكته: قبضتُم ولدَ عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدَك واسترجع. فيقول الله- تعالى-: ابنوا لعبدي بيتًا في الجَنّة وسمُّوه بيتَ الحمد".

فهذا حَمِدَ الله على الضرّاء فنال بحمده هذه الرتبة العلية، هذا وثَمَّة موجبات ودواعي لِحمد الله تعالى على الضراء والشدائد والمصائب وسائر ابتلاءات الدنيا وهاك بعضًا منها

أحدها: عِلْم العبد بأنّ الله- سبحانه- مستوجبٌ لذلك الحمد، مستحقٌّ له بنفسه، لا يشاركه فيه غيره، وفي هذا أعظم دلالة على إخلاص التوحيد له- عز وجل-.

وهذا الاستحقاق ثَابِتٌ لِلَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ مَجِيءِ الخلق وحمدهم أوبعد فراغهم من الحمد وفنائهم حمدًا يملأ الزمان والمكان والأعيان ويعم الأقوال كلها.

فَهُوَ تَعَالَى مَحْمُودٌ مِنَ الْأَزَلِ إِلَى الْأَبَدِ بِحَمْدِهِ الْقَدِيمِ وَكَلَامِهِ الْقَدِيمِ، وكيف لا يُحمد على خلقه كله وهو الذي أحسنَ كلَّ شيء خلقه، وعلى صنعه وقد أتقنه: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}، وعلى أمره وكله حكمة ورحمة وعدل ومصلحة، وعلى نهيه وكلُّ ما نهى عنه شر وفساد، وعلى ثوابه وكله رحمة وإحسان، وعلى عقابه وكله عدل وحق فلله الحمد كله وهو العليم الحكيم، الخبير الرحيم.

الثاني: علمه بأن الله تعالى يُحب الحمد عن الأسود بن سريع: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس شيءٌ أحبَّ إليه الحمد، من الله تعالى، ولذلك أثنى على نَفسه فقال: "الحمد لله"(1).

الثالث: علمه أنَّ عليه أن يعتقد أن الله تعالى قدَّر الخير والشر، قبل خلق الخلق وأن جميع الكائنات بقضائه وقدره وهو مريد لها كلها، قال تعالى "مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ* لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ" (الحديد)، وفي الصحيحين عن أَبى هُرَيْرَةَ– رضي الله عنه-: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى، اصْطَفَاكَ اللهُ بِكَلَامِهِ، وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟" فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى" صحيح مسلم كتاب الْقَدَرِ بَابُ حِجَاجِ آدَمَ وَمُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وقال تعالى: "وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ" (يونس).

الرابع: علمه أن عَليه أَن يَعْبُدَ خالِقَه ويحمده على حَالَة السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ. ومَنْ عَبَدَ الله وحمده على السَّرَّاءِ وحْدَهَا دون أَن يَعْبُدَه ويحمده عَلَى الضَّراءِ يَبْتَلِيه الله بِهَا فَقَدْ عَبَدَهُ على حَرْفٍ، وذلك موضع ذم قال تعالى: "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ" (الحج)، وَمن عَبَدَهُ وحمده كَيْفَما تصرَّفَتْ بِهِ الحالُ فقد عَبَدَهُ عِبادةَ عَبْدٍ مُقِرَ بأَنَّ لَهُ خَالِقاً يُصَرفه كيفَ يشاءُ، وَأَنه إِن امْتَحَنَه باللأواء وأنعم عَلَيْهِ بالسَّراء فَهُوَ فِي ذَلِك عادلٌ أَو متفضلٌ غير ظالمٍ وَلَا متعدَ، لَهُ الخيَرَةُ وَبِيَدِهِ الأمرُ وَلَا خِيَرَةَ للعَبْدِ عَلَيْهِ.

والخامس: علمُه بأنّ اختيارَ الله لعبدِه المؤمن مُقدَّم على اختياره لنفسه،. قال تعالى: "وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّايُشْرِكُونَ*وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ*وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" (القصص)، وقال تعالى: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا" (الأحزاب).

والسادس: علمُه بأنّ اختيارَ الله لعبدِه المؤمن خيرٌ من اختياره لنفسه، كما قال تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، وقال- عز وجل-: (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) (النساء)، وقال تعالى في واقعة الإفك: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (النور)، وكما روى مسلمٌ في صحيحه وغيرُه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلاَّ كان خيرًا له، وليس ذلك لأحدٍ إلاّ للمؤمن، إن أصابته سرّاءُ شكرَ فكان خيرًا له، وإنْ أصابته ضرّاءُ صبر فكان خيرًا له"، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنّ كلَّ قضاء يقضيه الله للمؤمن الذي يصبر على البلاء ويشكر على السرّاء فهو خير له".

فإذا عَلم العبدُ ذلك وتيقّنه أقبل على حمد الله في أحواله كلِّها في سرّائه وضرّائه، وفي شدّته ورخائه، ثم هو في حال شدّته لا ينسى فضلَ الله عليه وعطاءَه ونعمتَه.

السابع: علمه بأن لله تعالى في كل محنة منحة، وقد قال تعالى: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ" (البقرة).

جاء رجلٌ إلى يونس بن عبيد- رحمه الله- يشكو ضيقَ حاله، فقال له يونس: "أيسُرُّك ببصرك هذا مائةَ ألف درهم؟ قال الرجل: لا، قال: فبيديك مائة ألفِ؟ قال: لا، قال: فبرجليك مائةُ ألفِ؟ قال: لا. قال: فذكّره نعم الله عليه، فقال يونس: أرى عندك مئين الألوف وأنت تشكو الحاجة".

وجاء عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنَّه قال: "إنّ رجلاً بُسط له من الدنيا فانتزع ما في يديه، فجعل يحمدُ الله ويثني عليه حتى لم يكن له فراشٌ إلاّ بارِيَّةٌ، قال: فجعل يحمدُ الله ويثني عليه، وبُسط لآخر من الدنيا فقال لصاحب الباريّة: أرأيتك أنت علام تحمد الله؟ قال: أحمده على ما لو أُعطيت به ما أُعطي الخلق لم أعطِهم إيّاه. قال: وما ذاك؟ قال: أرأيتك بصرك، أرأيتك لسانك، أرأيتك يديك، أرأيتك رجليك".

وورد في الحديث ما يرشد إلى أن هذا العلم يعين على الشكر على السراء والصبر على الضراء في حديث معاذ "عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ حَسَنَةٌ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ، وَالْبَحْثُ عَنْهُ جِهَادٌ وَتَعْلِيمَهُ مَنْ لَا يَعْلَمَهُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لِأَهْلِهِ قُرْبَةٌ، أَلَا إِنَّ الْعِلْمَ سَبِيلُ مَنَازِلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَهُوَ الْمُؤْنِسُ فِي الْوَحْشَةِ، وَالصَّاحِبُ فِي الْغُرْبَةِ، وَالْمُحَدِّثُ فِي الْخَلْوَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى السَّرَّاءِ، وَالْمُعِينُ عَلَى الضَّرَّاءِ"(2).

والثامن: علمه بأن السرور في الدنيا لُمع، والعوارض بالغموم والمكروه لا تعدم فيها، وليس تدوم لا على السراء ولا على الضراء. فدوام الحال من المُحال، فلا الشروق يدوم، ولا الغروب، ولا الظل يثبت ولا الحرور، ولا الظلام ولا النور.

التاسع: كما قال الشعبي الصبر نصف الإيمان والشكر نصفه الآخر، واليقين الإيمان كله قالَ تَعَالَى: "إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ"، وَذكرهَا فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع من كِتَابَة إِبْرَاهِيم لُقْمَان سبأ الشورى، فالعبد بين نعمة وشدة، ولا بد له من الشكر عند الأولى، والصبر عند الثانية

العاشر: عِلْمه أنه لا بد من الاختبار، ولا بد من البلاء تمحيصا وتصفية "لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ" قال تعالى: "أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ" (البقرة)، وقال تعالى: "أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ" (العنكبوت).

الحادي عشر: علمه أن من الإيمان الصَبَرُ على الضراء إيماناً بالله تعالى واستسلامًا لقضائه فقد جاء في وصف المتقين في آية البر أنهم يصبرون في البأساء والضراء قال تعالى: "لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ" (البقرة)، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ– رضي الله عنهما-، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عُمَرَ وَمَعَهُ أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: «أَمُؤْمِنُونَ أَنْتُمْ؟» فَسَكَتُوا- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- فَقَالَ عُمَرُ فِي آخِرِهِمْ: نَعَمْ، نُؤْمِنُ عَلَى مَا أَتَيْتَنَا بِهِ، وَنَحْمَدُ اللَّهَ فِي الرَّخَاءِ، وَنَصْبِرُ عَلَى الْبَلَاءِ، وَنُؤْمِنُ بِالْقَضَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مُؤْمِنُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ"(3)، وكَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: "عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ، لَا يَقْضِي اللَّهُ لَهُ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَراء شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاء صَبَر فَكَانَ خَيْرًا لَهُ"(4) فَالْمُؤْمِنُ مَنْ يَتَفَطَّنُ لِمَا ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "لَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ حَتَّى يَخْرُجَ – من الدنيا- نَقِيِّا مِنْ ذُنُوبِهِ، وَالْمُنَافِقُ مَثَلُهُ كَمَثَلِ الْحِمَارِ، لَا يَدْرِي فِيمَ رَبَطَهُ أَهْلُهُ، وَلَا فِيمَ أَرْسَلُوهُ"، أَوْ كَمَا قَالَ" (5).

الثاني عشر: علمه أن الصبر على الضراء والمصائب التي يَبْتَلِي الله بها عبده فِي الدُّنْيَا تكفر عَنهُ من خطايا هو الابتلاء بالمصائب إحدى عشْرَة أَسبَاب تنْدَفع بها عُقُوبَة السيئة أو الذنب الذي يقارفه العبد في الصحيح عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حُزْنٍ وَلاَ أَذًى وَلاَ غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» (6).

الثالث عشر : علمه أن من سَعَادَة ابْن آدم رضَاهُ بِمَا قسم الله لَهُ فمن رضى فكأنما قد رضي بِمَا هُوَ خير لَهُ وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح عَن عَليّ قَالَ إِن الله يقْضِي بِالْقضَاءِ فَمن رضى فَلهُ الرِّضَا وَمن سخط فَلهُ السخط" حُكي أن سيدنا موسى عليه السلام قال: يا رب دلني على عمل إذا عملته رضيت عني. قال: إنك لا تطيق ذلك، فخر موسى ساجداً متضرعاً، فقال: يا ابن عمران إن رضاي في رضائك بقضائي. هـ. وقال ابن عباس- رضى الله عنه- أول شيء كتبه الله في اللوح المحفوظ: أنا اللهُ لا إِله إلاّ أنا، محمد رسولي، فمن استسلم لقضائي، وصبر على بلائي، وشكر نعمائي، كتبته صديقاً، وبعثته مع الصديقين، ومن لم يستسلم لقضائي، ولم يَصْبِرْ على بَلائِي، ولم يشكر نعمائي، فليتخذ رباً سوائي. هـ. ورُوي عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال: ثلاث من رزقهن رزق خير الدنيا والآخرة: الرضا بالقضاء، والصبر على الأذى، والدعاء في الرخاء. هـ.

قَالَ يحيى بن معَاذ الرَّازِيّ: إِن لله عَلَيْك نعمتين: السَّرَّاء للتذكير، وَالضَّرَّاء للتطهير، فَكُن فِي السَّرَّاء عبدا شكُورًا، وَفِي الضراء حرا صبورا ".

الرابع عشر : علمه بعدل سُبْحَانَهُ كَمَا فِي الحَدِيث الْمَرْفُوع "...مَاض فِينَا أَمرك عدل فِينَا قضاؤك، وَلَا يظلم رَبك أحدا"

الخامس عشر: علمه كم يترتب على الضراء من عواقب حميدة ومواهب كريمة يستحق الحمد عليها (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم)

لا تعتبنّ على النوائب ... فالدهر يرغم كلّ عاتب

واصبر على حدثانه ... إنّ الأمور لها عواقب

كم نعمة مطوية ... لك أثناء النوائب

ومسرّة قد أقبلت ... من حيث تنتظر المصائب

قال ابن عطاء الله في الحكم: من ظن انفكاك لطفه عن قدره فذاك لقصور نظره. وقال الغزالي: لا شدة إلا وفي جنبها نعم لله فليلزم الحمد والشكر على تلك النعم المقترنة بها قال عمر رضي الله تعالى عنه: ما ابتليت ببلية إلا كان لله علي فيها أربع نعم إذ لم تكن في ديني وإذ لم أحرم الرضا وإذ لم تكن أعظم وإذ رجوت الثواب عليها. وقال إمام الحرمين: شدائد الدنيا مما يلزم العبد الشكر عليها لأنها نعم بالحقيقة بدليل أنها تعرض العبد لمنافع عظيمة ومثوبات جزيلة وأغراض كريمة تتلاشى في جنبها شدائد

السادس عشر: علمه أن ذلك من الأدب مع الله تعالى، سئل ابن سيرين أي الأدب اقرب الى الله: فقال "معرفة ربوبيته والعمل بطاعته والحمد على السراء والصبر على الضراء"

السابع عشر: ينبغي للعبد أن يكون شاكراً للنعم، صابراً عند النقم، واقفاً مع المنعم دون النعم. إن ذهبت من يدة نعمة رَجَى رجوعها، وإن أصابته نقمة انتظر انصرافها. والحاصل: أن يكون المؤمن عبدًا الله في جميع الحالات. وقد جاء في بيان المقصود بقوله تعالى " أنعمت عليهم" من سورة الفاتحة التي تعبد الله تعالى الأمة بتلاوتها لكل الأعمار وطول العمر : أن الله تعالى يَمُنُّ عليهم بالشكر على السرّاء والصبر على الضرّاء، قال علي بن الحسين بن داود: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ بالشكر على السرّاء والصبر على الضرّاء (7) هذا وبالله التوفيق ومنه وحده العصمة من الزلل والخطأ والخلل في القول والعمل، وللحديث صلة بحول الله وقوته.

------------------

الهوامش:

1- إسناده صحيح. رواه أحمد في المسند بمعناه مختصرًا 15650 (3: 435 حلبي ومعناه ثابت صحيح، من حديث ابن مسعود، في المسند 4153: "لا أحد أغير من الله، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه". ورواه أيضًا البخاري ومسلم وغيرهما.

2-  نبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين للسمرقندي (ص: 429(

3-  المعجم الأوسط (9/ 163(

4-  صحيح مسلم برقم (2999) من حديث صهيب بن سنان، رضي الله عنه، ولم أجده في صحيح البخاري بهذا اللفظ.

5-  تفسير ابن كثير (3/ 450(

6-  صحيح البخاري كِتَابُ المَرْضَى بَابُ مَا جَاءَ فِي كَفَّارَةِ المَرَضِ

7-  تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن (1/ 122(

المقال الاكثر قراءة
• سبعة عشر مُوجبةً لحمد الله تعالى على الضراء