• jQuery Image slider حفل تحضره الملائكة
  • jQuery Image slider الأخ النابـه المستشار عبد الله العقيل
  • jQuery Image slider يا منصف الأعلام ... إلى المستشار عبدالله العقيل
  • عربي
  • انجليزي
  • فرنساوى
  • أردى
« دعوة

المعجزة التى نحتاجها

د. مجدى الهلالي

تتكون العملية التربوية من ثلاثة عناصر رئيسة تهدف إلى تغيير الفرد "المُتلقى" هذه العناصر هى: الموجه التربوى، والمنهج، والبيئة أو الوسط المحيط بالفرد.

هذه العناصر الثلاثة تعمل عملها فى السنوات الخمس الأولى للطفل ويكون بطلَها الأبوان (الموجه التربوى) –كما أسلفنا– وكلما زاد العمر قل الانبهار بالأشخاص، وذلك لامتلاء المحتوى التكوينى بالمعتقدات والتصورات التى استقبلها الفرد من أبويه ومن الوسط المحيط به. فإذا ما تجاوز الفرد مرحلة المراهقة فإن أمر تغييره من الصعوبة بمكان لأن محتواه التكوينى شبه مكتمل، بل قد بدأ فى التصلب والرسوخ.

لذلك فلو تربى فرد ما على الشُح والحرص على المال من خلال نشأته الأولى والوسط المحيط به؛ فإن من الصعب تغيير تعامله مع المال بعد سن المراهقة، حتى ولو قام على أمر تربيته أفضل المربين –إلا من شاء الله– لأن الأمر أكبر منه بكثير، فلقد تشرَّب الفرد حب المال والحرص عليه، وأصبح لهذا المعنى جذور عميقة فى ذاته.

كل ما يمكن أن يفعله الموجه التربوى أن يجعله يقتنع بأهمية الإنفاق فى سبيل الله، ويُحسن أداءه الشكلى فى بعض المواقف، لكن تبقى الممارسة الحياتية اليومية كما هى، بل فى الغالب يرى هذا الشخص فى نفسه أنه غير شحيح أو حريص على المال، بل يعتبر نفسه عكس ذلك ويبرر تصرفاته بأنها من باب الاقتصاد فى المعيشة ووضع كل درهم فى مكانه الصحيح {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِى الْأرض قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) إلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 11، 12].

ومما يدعو للأسف أنه كلما جلس البعض لتشخيص الداء والإجابة عن السؤال الذى يتردد كثيرا وهو: لماذا لا يتغير حال الكثير من الأفراد على الرغم من الجهد الكبير الذى يبذل معهم؟.. تجد أنهم يلقون باللائمة على الموجه التربوى وتقصيره، وأن الحل ينبغى أن يكون فى اتجاه تقويته وتأهيله.

بلا شك فإن هذا اتجاه جيد لكنه لن يجدى نفعا بمفرده، ودون وجود القوة الجبارة المزلزلة.

فإن كنت فى شك من هذا فأجب عن هذا السؤال: هل من الممكن أن ينجح تلميذ فى الصف الأول الابتدائى -مهما كان نبوغه– فى أن يقوم بتدريس مادة الفيزياء لطلاب الدراسات العليا فى كلية العلوم؟!

إنه الأمر نفسه –بل أشد– عندما نطلب من شخص أيا كان مستواه أن يؤثر فى الصخور الصلبة العميقة الجذور فى ذات أى فرد، ويغيرها على أساس الإسلام ومعانيه العظيمة.

.. نعم، قد يغير فى المساحة الضئيلة المتبقية فى محتواه التكوينى، ولكن كم تبلغ نسبة هذه المساحة بالمقارنة بما تم تكوينه فى بنية شخصيته الأساسية؟.

ناهيك عن تعذر وجود الموجه التربوى الميدانى القدوة فى ظل ظروف الحياة الراهنة، ولو توفر للقليل فلن يتوفر للكثير.

ولو تم –من الناحية الافتراضية– إعداد موجهين تربويين أكفاء يستوعبون جميع الأفراد، وعادت الأمة إلى صحتها فى هذه الآونة، وتحقق وعد الله لها بتغيير حالها إلى الأحسن، فماذا سيحدث بعد وفاة هؤلاء المربين؟.

سيحدث كما حدث فى المغرب بعد وفاة جيل المربين الذين أسسوا –بعون الله– دولة المرابطين حيث سقطت الدولة وانهارت، وكما حدث فى تجارب كثيرة عندما انتفض المسلمون تجاه قضية (ما) كاحتلال بيت المقدس أيام الحملات الصليبية، فإذا ما انتهت القضية وتحررت القدس، عادت الأمة إلى ما كانت عليه، واندفعت الأجيال اللاحقة نحو الدنيا فيزداد المرض، وتدخل الأمة فى دائرة الغضب الإلهى فيسلط الله عليها الذل والهوان.

هل نريد شحذ الهمم، واستنفار الجهود التربوية التى تحقق التغيير فى جيل من الأجيال فتتحسن أحوال الأمة نسبيا، وتحل بعض مشكلاتها، ثم تعود الأمور إلى ما كانت عليه فى الجيل الثانى والثالث بعد وفاة جيل الموجهين التربويين؟!

هذا لو افترضنا أنه يمكن للموجهين التربويين أن يحدثوا تغييرا فى أنفسهم أو فى الآخرين فى ظل امتلاء وتجذر محتواهم التكوينى. أم ترانا نريد تغييرا تمليه الأحداث والقوارع التى تمر بالأمة، فإذا انجلت تلك الأحداث عاد الناس إلى سابق عهدهم؟!

القوة المزلزلة

إن الأمة مريضة بحب الدنيا، والشح المطاع، والهوى المتبع، والإعجاب بالنفس، ولن يصلح الله حالنا إلا إذا غيرنا ما بأنفسنا.. وأداة هذا التغيير الرئيسة هى (التربية). ولا يمكن أن تنجح عملية التربية فى أداء مهمتها بسبب وجود العوائق والتحديات التى تم ذكرها، والتى يقف على رأسها تجذر الشح المطاع والإعجاب بالنفس فى ذات الفرد.

والحل الوحيد لهذه الإشكالية البحث عن قوة خارقة تقوم بإحداث الزلزلة فى كينونة الإنسان ومحتواه التكوينى.

فإن قلت: وهل توجد قوة بهذه الصفات لا نعرفها؟! نعم، هناك قوة بهذه الصفات توجد بيننا ولا نعرف قدرها ولا قيمتها.. إنها قوة تأثير "القرآن" الجبارة.. هذه القوة لا يوجد لها مثيل على وجه الأرض، لكن الله عز وجل جعل مجال عملها الرئيس قلب وعقل ونفس الإنسان.. فلو سُمح لهذه القوة أن تتوجه إلى جبل لحطمته {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر: 21].. ولو سُمح لهذه القوة أن تُحرك الجبال من مكانها وتسيرها لفعلت –بإذن الله–.. ولو سمح لهذه القوة أن تُقطع الأرض لقطّعتها {وَلَوْ أن قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أو قُطِّعَتْ بِهِ الْأرض أو كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} [الرعد: 31]، وجواب الشرط فى الآية محذوف وتقديره: لكان هذا القرآن. فقوة القرآن العظيم لا تضاهيها قوة على وجه الأرض.. هذه القوة الجبارة المزلزلة أودعها الله فيه لكى تصبح معجزته أعظم معجزة نزلت من السماء.. أعظم من معجزة موسى وعيسى وصالح عليهم السلام " متفق عليه".

وهى معجزة باقية ببقاء القرآن إلى يوم القيامة، ومجال عملها الأساس كينونة الإنسان.. فإذا ما تم تسليطها عليه فإنها تحطم الصخور الصلبة فى محتواه التكوينى.. تحطم التصورات والمعتقدات الخاطئة، وتحرره من أسر أغلاله، وتعيد صياغته من جديد عبدا صالحا مُصلحا.. هذا القرآن هو الذى أعاد صياغة جيل الصحابة وصنع منهم ذلك الجيل الفريد.. وهذا القرآن هو المرشح الوحيد الذى يمكنه –بإذن الله– بناء الأمة من جديد وإعادتها إلى صحتها وعافيتها.

وضوح وصراحة:

من هنا نعلنها بوضوح وصراحة أنه لا يمكن أن يتم التغيير للفرد بصورة حقيقية، وعميقة، ومتوازنة، ومتكاملة، إلا بدخول قوة القرآن إلى ذات الإنسان، وأية وسيلة أخرى –مع أهميتها– إلا أنها لا يمكنها أن تفعل ما يفعله القرآن "وغنى عن البيان أن الكلام عن القرآن يشمل السنة النبوية بالتبعية، فالسنة شارحة للقرآن، مبينة لما أُجمل فيه.. نعم، يمكن للوسائل الأخرى أن تكون وسائل إضافية تؤكد معانى القرآن وتشرح تطبيقاته، ولكنها بمفردها –دون المعجزة التأثيرية للقرآن– لا تُحدث التغيير المنشود.. أتدرى أخى لماذا؟ لأن الذى أنزل القرآن هو الذى خلقنا ويعلم سرائرنا ومشكلاتنا وما نحتاج إليه.. الذى أنزله هو رب العالمين، الذى يقوم على أمر تربيتهم وتعاهدهم بما يصلحهم {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَّ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الفرقان: 6].

يقول سيد قطب: إن الناس يخسرون الخسارة التى لا يعارضها شىء بالانصراف عن هذا القرآن، وإن الآية الواحدة لتصنع أحيانا فى النفس حين تستمع لها وتنصت أعاجيب من الانفعال والتأثر والاستجابة.

وخلاصة القول أنه لن يتغير الفرد ولا الأمة ولن ينصلح حالها إلا إذا دخل القرآن بقوته المزلزلة إلى ذات الإنسان، وتم التعامل معه باعتباره الوسيلة المتفردة للتربية.

المقال الاكثر قراءة
• سبعة عشر مُوجبةً لحمد الله تعالى على الضراء