• jQuery Image slider حفل تحضره الملائكة
  • jQuery Image slider الأخ النابـه المستشار عبد الله العقيل
  • jQuery Image slider يا منصف الأعلام ... إلى المستشار عبدالله العقيل
  • عربي
  • انجليزي
  • فرنساوى
  • أردى
« تربية

بالحياء تسمو الأمم وتُصان

د. إبراهيم التركاوي

ما أجمل الحياء عندما يكون خلقاً للأفراد والجماعات، فالحياء كله خير ولا يأتي إلا بخير، فهو خلق يبعث صاحبه على ترك القبيح، ويمنعه من التقصير دون واعظ أو زاجر..

فالرجل الحييّ حي الضمير، رهيف الإحساس، تجده من تلقاء ذاته لا يقدم على فعل ما لا ينبغي، وإذا أقدم -بحكم بشريته- تراه وقد احمرّ وجهه وتصبب الجبين منه عرقاً، وعاد من قريب إلى رشده ووعيه وحمرة الخجل تكسو وجهه!

وفي هذا المعنى يقول الشيخ الغزالي -رحمه الله-: مِن الناس مَن يخطئ بيد أنه يجد في نفسه من الألم والحسرة والندم، ما يجعل المعصية تُولد ميتة، تُولد ورحمة الله -جلّ وعلا- في انتظارها!

بمثل هذا الرجل الحييّ -الذي تسره حسنته وتحزنه سيئته- تُحفظ الأموال والأعراض، وتُحمى الحرمات وتُصان الأمم!

والمجرم تجده صفيق الوجه، بليد الشعور والإحساس، لا يتحرج من فعل ما لا ينبغي، ولا يبالي بما يأخذ أو يترك، فليس عنده من الحياء ما يمنعه من ارتكاب الدنايا، ولا من الضمير ما يزجره عن الوقوع في الذنب، لا تسره حسنة ولا تحزنه سيئة، ولا يتورع عن ارتكاب كبيرة ولا صغيرة، ولا يجتنب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولذا يرى عظيم جرمه شيئاً حقيراً كالذباب جاء على وجهه فأطاره..

بمثل هذا المجرم الجريء على الله وعلى الناس، تُنتهك الأعراض، وتُهدر الأموال، وتضيع الحقوق، وتهلك الأمم!

ولأمر ما جعل النبي –صلى الله عليه وسلم- الحياء قرين الإيمان وملازماً له، كما جاء في الحديث: (الحياء والإيمان قرنا جميعاً، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر). [قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي].

وفي (الصحيحين) عن ابن عمر “أن النبي –صلى الله عليه وسلم- مر على رجل -وهو يعظ أخاه في الحياء-، فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: (دعه فإن الحياء من الإيمان).

وفي حديث آخر، نرى كيف يصلح المجتمع وأفراده بالحياء، وفي المقابل، كيف يسوء المجتمع وأفراده بالفحش..

فعن عائشة – رضي الله عنها – قالت: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم– (يا عائشة لو كان الحياء رجلا كان رجلاً صالحاً ولو كان الفحش رجلاً لكان رجل سوء). [رواه الطبراني في الصغير والأوسط، والحديث حسن لغيره].

إذن لو تجسد الحياء في مجتمع لكان رمز الصلاح والإصلاح، وأيضاً لو تجسد الفحش في مجتمع لكان رمز السوء والفساد..!

تصور مجتمعاً: تحلّى أفراده، وتزيّنت جماعاته بخلق الحياء، مجتمعاً يغالي بقيَمِهِ وأخلاقه ومبادئه ولا يرضى عنها بديلاً مهما تحمل من متاعب، ومهما لاقى من مصاعب.. فعنده أن يُرزأ في ماله ودنياه ولا يُرزأ في قيمه وأخراه..

مجتمعاً: الصدقُ خلقه والإخلاص غايته، يكافئ العامل وينهض بالخامل، يقرّب البعيد ويحافظ على القريب، ينصف المظلوم ويأخذ على يد الظالم، يكرّم علماءه، ويعلّم جهلاءه، يقدّم الأمين ويبعد الخائن..!

لو وجد مثل هذا المجتمع، لكان أجدر بعون الله ونصره وتأييده!

ولو أن مجتمعاً: تجرد أفراده، وتعرت جماعاته من خلق الحياء، مجتمعاً لا يبالي بأن يدوس المبادئ ويذبح القيم، فلا يوقر كبيراً، ولا يرحم صغيراً، ولا يعرف لعالم حقاً!

مجتمعاً: الكذب خلقه، والتزوير وقلب الحقائق ديدنه..!

مجتمعاً: يقرب الخامل ويبعد العامل، يكرّم التفهاء ويُهين العلماء، ينصر الظالم ويخذل المظلوم، يخوّن الأمين ويأتمن الخائن، مجتمعاً غايته أن ينجح في نيل شهوته، وتحصيل دنياه ولو خسر جميع قيمه وأخراه..

لو وجد مثل هذا المجتمع، لكان أحق بأن تُمحق بركته، ويكون البوار مآله وبضاعته!

وقد بيّن النبي - صلى الله عليه وسلم - مراحل سقوط الأمم، وكيف تنحدر من سيء إلى أسوأ، ومن سافل إلى أسفل، وذلك بهبوط أبنائها في منزلق الهوى وضياع الحياء..

عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الله عز وجل إذا أراد أن يهلك عبداً نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتاً ممقتاً، فإذا لم تلقه إلا مقيتاً ممقتاً نزعت منه الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائناً مخوناً، فإذا لم تلقه إلا خائناً مخوناً نزعت منه الرحمة، فإذا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا رجيماً ملعناً، فإذا لم تلقه إلا رجيماً ملعناً نزعت منه ربقة الإسلام). [سنن ابن ماجة 2/1347،حديث 4054].

وما أجمل ما جاء في كلام الشيخ (الغزالي) -رحمه الله- تعليقاً على هذا الحديث: (فإذا فقد الشخص حياءه وفقد أمانته أصبح وحشاً كاسراً، ينطلق معربداً وراء شهواته ويدوس في سبيلها أزكي العواطف، فهو يغتال أموال الفقراء غير شاعر نحوهم برقة، وينظر إلى آلام المنكوبين والمستضعفين فلا يهتز فؤاده بشفقة.

إن أثرته الجامحة وضعت على عينيه غشاوة مظلمة، فهو لا يعرف إلا ما يغويه ويغريه بالمزيد.. ويوم يبلغ امرؤ هذا الحضيض فقد أفلت من قيود الدين وانخلع من ربقة الإسلام) أ.هـ.

حقاً، بالحياء تسمو الأمم إلى أعلى الدرجات وتُصان، وبدونه تهوي إلى أسفل الدركات وتهان..!

وهذا ما جاءت به جميع الشرائع، وأدركه الناس من كلام النبوة الأولى، كما جاء في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت) رواه البخاري.

ولله درّ من قال :

إذا لم تخش عاقبة الليالي         ولم تستح فاصنع ما تشاء
فو الله ما في العيش خير          ولا الدنيا إذا ذهب الحياء!!

------------------------
بالتعاون مع "بصائر"

المقال الاكثر قراءة
• وسائل عملية لتربية الأولاد على الصفات العشر