• jQuery Image slider حفل تحضره الملائكة
  • jQuery Image slider الأخ النابـه المستشار عبد الله العقيل
  • jQuery Image slider يا منصف الأعلام ... إلى المستشار عبدالله العقيل
  • عربي
  • انجليزي
  • فرنساوى
  • أردى
« دعوة

انتصار الحق.. وعد الإله.. وسُنَّة الحياة

د. فتحي عبد القادر (*)


تمرُّ الأمَّة الإسلاميّة اليوم بأحداث جسامٍ وخطوب عظيمة، تُعدّ بحق من أخطر المراحل الحرجة التي شهدها تاريخ الأمة الإسلاميّة، تلك الأحداث التي كانت سببًا مباشرًا، بلاشكّ، في إيجاد حالة من الاستقطاب الحادّ، وتشكيل الكثير من التَّيارات والاتِّجاهات المُختلفة؛ بعضها يُناصر الحقَّ ويؤيّد أهله، وبعضها الآخر يُناصر الباطل ويقف مع أذنابه.

ولعلَّ هذه الحالة، كما هو ثابت، تعدّ سنَّةً من سُنن الله سُبحانه وتعالى، فقد ورد في القرآن الكريم، في أكثر من موطنٍ، أنَّ الفتن تتنزل على الأمّة أثناء مسيرتها الحياتيّة من أجل أن تضع حدًّا فاصلًا بين مُختلف تلك المكونات الفكرية والعقدية في المجتمع الإسلامي.

عندئذٍ، يؤول حال الأمة إلى فئتَيْن: فئة مؤيِّدةً للحق وأخرى معارضة له، وبهذا التمحيص تخرج الأمة من (مرحلة الضَّبابيّة) إلى (مرحلة الوُضوح والشفافية)؛ ذلك أنه في المَرحلة الأولى تكون المواقف غامضة، حيث يختلط الحق بالباطل، والطَّيب بالخبيث، والصَّادق بالكاذب، في حين يكون وضع الأمَّة في الحالة الثانية أقرب إلى الشفافية والتمايز ووضُوح المَواقف، قال تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} (آل عمران:179)، وقال أيضًا: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (العنكبوت:3).

أعلى درجات السمو

ومن الأمور التي تواضعت عليها الفِطَر السَّليمة والمبادئ السَّامية أنَّ الانتصار للحقِّ والوُقوف مع أتباعه، ومناصرتهم، والدِّفاع عنهم وعن قضايَاهم ومطالبهم، هو في حقيقته انتصار للمبادئ السَّامية والقيم الحقيقية، ولقد أثبتت لنا حقائق التَّاريخ وتجارب الحياة ومجريات الأحداث المُعاصرة حقيقة هذا الأمر؛ ذلك أن الذين يناصرون الحق ويقفون إلى جانبه هم أناس يتمتعون بأعلى درجات السُّمو في احترام المبادئ والقيم، حتى وإن كانت مواقفهم تلك سببًا في خسارة بعض المغانم الدنيوية والمصالح المادية، بل حتى وإن أدت إلى إزهاق أرواحهم التي أسلموها رخيصةً في سبيل الدِّفاع عن مبادئهم والانتصار لها.

وهي ذات الروح التي جعلت سحرةَ فرعونَ يقولون له، بالرغم من كل التهديدات الغليظة التي توعدهم بها: {لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} (طه:72)، ويُعلِّق الأستاذ سيد قطب (في ظلاله) على هذا المشهد فيقول: (ومضى هذا المشهد في تاريخ البشريّة إعلانًا لحريّة القلب البشري باستعلائه على قيود الأرض وسلطان الأرض، وعلى الطمع في المثوبة والخوف من السلطان، وما يملك القلب البشري أن يجهر بهذا الإعلان القوي إلاَّ في ظلال الإيمان).

مناعة ضد المغريات

والسِّيرة النَّبوية - كما هو معلوم - حافلةٌ بالكثير من المواقف المبدئية الأصيلة، التي أرسى معالمها رسول الهدى محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - ذلك أنَّ الله - سبحانه وتعالى - قد أرسل رسوله بالهدى ودين الحقِّ نذيرًا وبشيرًا، فصدَّق بالحق الذي جاء به، ودعا إليه، ونَاصره، ودَافع عنه، وعن أتباعه، وضحَّى من أجله بكلِّ غالٍ ونفيسٍ.

وقد كان يروم من وراء كل ذلك رَسم طريقٍ لأحبةٍ من أصحاب المبادئ السَّامية والقِيم النَّبيلة، من أجل أن يقتدوا بسنته ويمتثلوا منْهَجه، فعلَّمنا من خلال سيرته العمليّة الشَّريفة أن تحويل القَنَاعات النَّظريّة والقِيم المثاليّة المتعلقة بنُصْرة الحقِّ والانتصار له ولأهله إلى سلوك عملي وموقف مبدئي حقيقي، أمر مقدور عليه إذا ما توافرت النّية الصَّادقة والرغبة الحقيقية، وذلك بعيدًا عن المزايدات والمهاترات السياسية أو النفعية أو المصلحيّة.

كما يعلمنا أنَّ صاحب المبادئ يجب أن يتحلَّى بقدرة عالية على التحمل وأن تكون له مناعة قوية ضد كافة المُغريات، لأن حمل المبادئ وترجمتها على أرض الواقع إلى حقيقة ماثلة، ليس مُجرَّد كلمةٍ تلوكها ألسنتنا وإنَّما هي حقيقة ذات تكاليف وأعباء لا يقدر على تحمُّلها إلا من كان له قلب يحمل في طياته إيمانا راسخًا، وكان له بَدَن على البلاء صابر.

ونحن عندما ندرس اليوم سيرة الرَّسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - نجد أنفسنا في أمس الحاجةإلى تَمَثُّل مواقفه النَّبيلة ومبادئه العظيمة الرفيعة التي كان يدعو لها وينافح من أجلها؛ في الوقت الذي بِتْنا نرى فيه – للأسف الشديد - الكثير من رجال السّياسة و"الدُّعاة" و"العلماء" ونخب الأمة ومثقفيها يهدرون كرامتهم ومبادئهم وقيمهم، إن كانت لهم كرامة ومبادئ وقيم، على أعتاب الظالمين المعتدين في سبيل الحصول على بعض الفتات الذي يتساقط من على موائدهم، هؤلاء هم الذين يمكن أن يصدق فيهم قول النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم: "يَبِيعُ دِينَه بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنيَا قَلِيل".

حِلْف الفُضُول

ومن القِيم العربيّة الأصيلة التي رسَّخها الإسلام ودعا إليها، قيمة التَّناصُر، بمعنى: التعاون على النَّصر، ومنها الانتصار للحق والوقوف مع المظلوم ودفع الظلم عنه، وقد تجلَّت هذه القيمة بوضوح في (حِلْف الفُضول).

هذا الحلف الذي تعاهدت فيه قريش، في أيّام الجاهليّة، ألا يتركوا مظلومًا في مكَّة، أو فيما يَفِد إليها من سائر النَّاس إلاَّ قَاموا معه حتَّى يدفعوا عنه مظلمته، ويَرُدُّوا إليه حقَّه، وقد حضر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا الحلف، وظلَّ يذكره مُعتزًا به، لما اشتمل عليه من معانٍ إنسانيّة نبيلة ومبادئ سامية وقيم فاضلة رفيعة.

وثبت عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - قال، كما جاء في السنن الكبرى للبيهقي: "لقدْ شَهدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللهِ بنِ جُدعَان حِلفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْرَ النَّعَم، وَلَو دُعِيتُ إِلَى مِثْلِهِ فِي الإِسْلاَمِ لَأَجَبْتُ"، وهذا الحلف يدلُّ على مدى رُسوخ قيمة الانتصار للحقّ في الفِطرة العربية السليمة، التي لم تتلوث بالنذالة والحقارة وتغليب الأهواء الشخصية على القيم والمبادئ السامية، واللافت للنظر فيه أيضًا أنَّه رفع شعار الدفاع عن المظلوم دون الإشارة إلى عرقه أو لونه أو معتقداته، وهو معنى إنساني عميق يدل على عمق الروح الإنسانية التي يتحلى بها ديننا الإسلامي القويم.

تمزيق صحيفة المقاطعة

وفي موقف آخر نقلته لنا كتب السيرة النبوية، يُظهر النخوة العربية والفطرة السليمة عندما تقف شامخة تأبى أن تنساق في ركاب الظلم والظالمين، لتقف في صف المظلومين والمضطهدين مهما كانت التحديات التي تقف أمامهم، حيث ذكرت لنا كتب السِّيَر أن رهطًا شهمًا من العرب، من ذوي الفِطَر السَّليمة، أبى أن يقف مكتوف اليدين ضد قرار جائر يستهدف فئة من الناس، حتى وإن كانوا مخالفين لهم في الفكر والمعتقدات.

ولقد بذل ذلك الرهط ما بوسعه من جهد بغرض نقض صحيفة المقاطعة الجائرة الظالمة، التي صاغ بنودها بعض المشوهين إنسانيًا، حقدًا من عند أنفسهم على أتباع الدين الجديد، ولمزيد من التأكيد على إلزامية هذه الصحيفة، بما لا يجوز لأحد أن يخالفها، قاموا بتعليقها في جوف الكعبة، لمنحها صفة القداسة والبركة، وأطبقوا بمقتضاها على المسلمين حصارًا شديدًا قاتلًا، اختفت فيه أبسط معاني الإنسانية؛ مما أصاب المسلمين بلاء عظيم وشر مستطير، دامت مدته ثلاث سنوات، أكل فيها المسلمون أوراق الشجر.

غير أن حميّة هذا الرهط أبت إلا أن ترفع هذا العار من على جبين الإنسانية، نصرة للحق وللمظلومين، فخططت بحكمة بالغة، ودهاء نادر، لنقض هذه الصحيفة وتمزيقها، فتنادت للاجتماع في الكعبة، حيث عُلِّقت الصحيفة، وبدأ كل واحد من هذا الرهط ينادي بأعلى صوته في الناس، مستثيرًا المشاعر الإنسانية فيهم بقوله: (أيهلك هذا الحي من قريشٍ بين أظهرنا، كيف يطيب لكم طعام أو شراب وهؤلاء يموتون جوعًا وعطشًا)؛ وبهذا المنطق الإنساني المُؤثِّر، تداعى أصحاب المروءة والتفوا حول هذا الرهط، حتى مزقوا هذه الصَّحيفة، وأطلقوا المسلمين من هذا الحصار الخانق.

فأين الدعاة والعلماء والإعلاميون والمثقفون وأصحاب الشهادات العالية اليوم، من هذه المواقف الإنسانية النَّبيلة، وهم يقفون طابورًا خامسًا، وقد اعتلت وجوهم الذِّلَّة والمسْكنة يُناصرون الظُلم ويقفون مع الظالمين؟

انصر أخاك

أما على مستوى الأحاديث النبوية، فقد ورد فيها الشيء الكثير، الذي يدعو إلى نصرة أهل الحق ومناصرة المظلومين، ومن ذلك قوله الله، صلى الله عليه وسلم: "انْصُر أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالمًا؟ قَالَ، صلَّى الله عليْه وسلَّم: تَحْجِزُهُ عَنْ ظُلْمِهِ فَذَلِكَ نَصْرُه" (البخاري).

ونُصرة المظلوم في هذا الحديث وفي غيره من الأحاديث، ترمز في أحد معانيها إلى نُصرة الحق القابع بين جَنَبات المظلوم؛ ذلك أنَّه لا ينبغي أن يحول ضعفه وعجزه وقلَّة حيلته دون الوقوف إلى جانبه ومُساندته ودعم جانب الحق، الذي نال منه الظالم واعتدى عليه دون وجه حقٍ، هذا الحق الذي قامت عليه السماوات والأرض.
وقد جاء الحديث بصيغة فعل الأمر؛ ممَّا يفيد – شرعًا - وجوب تقديم النُّصرة، دون اعتبار للمخاطر التي يمكن أن تأتي نتيجة الوقوف في وجه الظلم ونصرة المظلومين. 

وقد أكَّد عليه الصَّلاة والسَّلام هذه المعاني في أكثر من مناسبة، فقال: "المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُه" (متفق عليه).

وقال أيضًا: "حُقَّت مَحَبَّتِي للذِينَ يَتَنَاصَرُونَ مِنْ أَجْلِي" (أحمد).

وقال أيضًا: "كُلُّ مُسْلِمٍ عَلَى مُسْلِمٍ مُحَرَّم، أَخَوَانَ نَصِيرَانِ"، (النسائي)، أي: هما أخوان يتناصران ويتعضدان، بمعنى ينصر أحدهما الآخر.

عاقبة التخاذل والخذلان

ولم يترك الإسلام مجالًا للإفلات من واجب الانتصار للحق وللمظلومين؛ حيث حذَّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من السَّلبيّة والتَّخاذل أو ما يطلق عليه زورًا وبهتانًا (بالحيَاديّة)، فقال، صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَقِفَنَّ أَحَدُكُم مَوْقِفًا يُضْرَبُ فِيهِ رَجُلٌ ظلمًا؛ فَإِنَّ اللَّعْنَةَ تَنْزِلُ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ حِينَ لَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ" (الطبراني).
وقال أيضًا: "مَا مِن امْرِئٍ يَخْذلُ مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ عِرْضهُ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِه إِلاَّ خَذَلَهُ اللهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرته، وَمَا مِنْ مُسْلِمٍ يَنْصُر مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَك فِي حُرْمَتِه إِلاَّ نَصَرَهُ اللهُ فِي مَوْطِنٍ يُحُبُّ فِيهِ نُصْرَته" (رواه أحمد).

وقال أيضًا: "مَنْ أُذِلَّ عِنْدَهُ مُؤْمِنٌ فَلَمْ يَنْصُرْهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَنْصُرَهُ أَذَلَّهُ اللهُ – عز وجل - عَلَى رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَة" (رواه أبو داود).

والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدًا.

بل ثبت في السيرة النَّبويّة أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يخِفُّ لنصرة مُخالفيه في العقيدة والفكر؛ التزامًا بميثاق المناصرة المعقود بينه وبينهم، ولم يَحُلْ كُفرهم به وبدينه دون نصرتهم، وهذا ما حدث مع (قبيلة خُزَاعة)، حين قدم على النبي، صلَّى الله عليه وسلَّم، (عمرو بن سالم) يشكو اعتداء (قبيلة بني بكر) عليهم ومظاهرة قريش لهم، فردَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحال: "نُصِرْت يا عمرو بن سالم".

وانطلقت على إثر هذه الجملة المبشرة كتائب الفتح الأعظم، فدانت لها مكة بما فيها، فإذا حدث هذا وفاءً بكلمة أعطيت لقبيلة تدين بالشرك؛ فماذا يوفي بحق عقد الإيمان وآصرة العقيدة ورابطة الأخوة، لاشك أنَّه أغْلى وأوْلى خاصَّة، لقوله سبحانه وتعالى: {وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} (الأنفال:72-74).

---------------------------------
مدير المركز الأفرو آسيوي للدراسات والبحوث - صنعاء

المقال الاكثر قراءة
• سبعة عشر مُوجبةً لحمد الله تعالى على الضراء