• jQuery Image slider حفل تحضره الملائكة
  • jQuery Image slider الأخ النابـه المستشار عبد الله العقيل
  • jQuery Image slider يا منصف الأعلام ... إلى المستشار عبدالله العقيل
  • عربي
  • انجليزي
  • فرنساوى
  • أردى
« تربية

في الستر على النفس والمسلمين

الدكتور فتحي أبو الورد

لم يعرف التاريخ – فيما أعلم – ثبوت جريمة الزنى بالإقرار والاعتراف الذاتي، دون شهود أو بينة، أو ضغط أوإكراه إلا في التاريخ الإسلامي.

وعلى الرغم من الضمانات والقيود في الإثبات الجنائى للجريمة بالإقرار؛ فإن جريمة الزنى في العصر النبوي لم تثبت إلا به.

ومِن ثَمَّ كانت ظاهرة الاعتراف بالجريمة من مفاخر التشريع الإسلامي الجنائي، وكان صاحب هذه الواقعة واحدًا ممن تربوا في مدرسة الضمير الإسلامي، يقال له ماعزًا.

وفى هذا بوب الإمام مسلم في صحيحه بابًا بعنوان: باب من اعترف على نفسه بالزنى، وقد روى البخارى ومسلم بسنديهما - واللفظ لمسلم - عن أبي سعيد: أن رجلاً من أسلم يقال له ماعز بن مالك، أتى رسول الله "صلَّى الله عليه وسلَّم"، فقال: إنى أصبت فاحشة، فأقمه عليَّ – أى الحد -، فرده النبي "صلَّى الله عليه وسلَّم" مرارًا، قال: ثم سأل قومه، فقالوا: ما نعلم به بأسًا إلا أنه أصاب شيئًا يرى أنه لا يخرجه منه إلا أن يُقام فيه الحد، قال: فرجع إلى النبى "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، فأمرنا أن نرجمه، قال: فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد، قال فما أوثقناه ولا حفرنا له، قال: فرميناه بالعظم والمدر والخزف، قال: فاشتد واشتددنا خلفه حتى أتى عرض الحرة فانتصب لنا فرميناه بجلاميد الحرة، يعنى الحجارة. حتى سكت.

يقول المستشار علي منصور في كتابه "نظام التجريم والعقاب في الإسلام": إن العديد من عقوبات الحدود في الشريعة الإسلامية، وهي من أشد العقوبات وأقساها، قد وقعت بناء على اعتراف المذنب نفسه، وإصراره على توقيع الحد عليه وذلك رغبة في التكفير عن ذنبه ولقاء ربه نقي الصحيفة طاهر الفؤاد، وتلك مفخرة كبرى للنظام الجنائي، لا تدانيه فيها أية أنظمة وضعية مهما ارتقت في مدارج السمو ودقة التشريع.

والحق أن النظام الجنائي وحده لا يصنع هذه الظاهرة وتلك المفخرة، بل هو جناح يكمله جناح آخر وهو جناح التربية الإيمانية العميقة، وغرس عقيدة الإيمان باليوم الآخر، والبعث والحساب التى انتهجها النبي "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" في تربية المجتمع الأول وتكوينه.

وهذه حقيقة لا ينكرها عاقل لأن الإسلام ليس كله قوانين، والقوانين ليست كلها حدودًا، والقوانين وحدها لا تصنع مجتمعًا.

ودور الدولة المسلمة بكل أجهزتها ووسائلها التربوية والثقافية والإعلامية والاجتماعية أن تبني هذا الضمير الإسلامي داخل النفوس، وتصوغ وتشكل الإنسان صاحب الرقابة الذاتية، وتعمل على تنمية الوازع الداخل لدى أفراد المجتمع.

ومع ثبوت ذلك إلا أن الشريعة رغبت وندبت إلى ستر المسلم على نفسه وعلى غيره، وإلى ستر الذنوب وعدم التطوع بالإبلاغ عنها.

من ذلك ما رواه الترمذي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله "صلَّى الله عليه وسلَّم": "من ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة"، وقال "صلَّى الله عليه وسلَّم"، أيضًا، فيما يرويه الإمام مالك عن زيد بن أسلم: "من أصاب من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله؛ فإنه من يبدى لنا صفحته نقم عليه كتاب الله".

وفى قصة ماعز السابقة روى أبو داود عن يزيد بن نعيم عن أبيه أن ماعزًا أتى النبى "صلَّى الله عليه وسلَّم"، فأقر عنده أربع مرات، فأمر برجمه، وقال لهزال: "لو سترته بثوبك كان خيرًا لك".

وكان هزال هو الذى أمر ماعزًا أن يأتى النبي "صلَّى الله عليه وسلَّم"، فيخبره كما ذكر أبو داود في سننه.

وقد عقب ابن حجر في فتح الباري على قضية ماعز بن مالك، بقوله: "ويؤخذ من قضيته أنه يُستحب لمن وقع في مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى، ويستر نفسه، ولا يذكر ذلك لأحد كما أشار به أبو بكر وعمر على ماعز، وأن من اطلع على ذلك يستر عليه، ولا يفضحه ولا يرفعه إلى الإمام، كما قال "صلَّى الله عليه وسلَّم" في هذه القصة: لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك".

ولذلك بوَّب الإمام أبو داود في سننه بابًا تُرجم له بـعنوان: باب في الستر على أهل الحدود.

المقال الاكثر قراءة
• وسائل عملية لتربية الأولاد على الصفات العشر