• jQuery Image slider حفل تحضره الملائكة
  • jQuery Image slider الأخ النابـه المستشار عبد الله العقيل
  • jQuery Image slider يا منصف الأعلام ... إلى المستشار عبدالله العقيل
  • عربي
  • انجليزي
  • فرنساوى
  • أردى
« فكر و حركة

الأمة بحاجة إلى حاكم عادل!

بقلم: أحمد التلاوي

قبل بضعة عقود ظهرت في الفكر الغربي مدرسة شديدة الأهمية من مدارس العقل في التفكير، وهي المدرسة التفكيكية، والتي ظهرت في إطار تفاعلات مرحلة ما بعد الحداثة في الحضارة الغربية، والتي انطلقت إلى العالم كله، ضمن ما عُرِفَ بالثورة الثقافية في نهاية الستينيات وفي السبعينيات الماضية.

تنطلق هذه المدرسة، والتي تبلورت وأخذت مجالها في عقد الثمانينيات الماضي، من فكرة أساسية، وهي أن العقل الإنساني هو محور كل شيء، ومعيار فهم كل الأمور، كجزء من مدرسة التحليل اللغوي الفلسفي، وهي مدرسة فلسفية إنجليزية بالأساس، وأسسها الفيلسوف البريطاني، برتراند راسل.

ومن ثَمَّ؛ فقد انبنت على ذلك مجموعة من المبادئ والقيم، على رأسها تفكيك النص، وبالرغم من الشطط الذي ذهب إليه "متطرفو" هذه المدرسة، من المفكرين والفلاسفة؛ حيث وصلوا إلى مستوى التعامل مع النص المقدس، كما يتعاملون مع النص الفلسفي والأدبي والفكري، مع التأسيس إلى حالة من الفوضوية في التفكير، في ظل عدم ثبات معيار حكم العقل الإنساني على الأمور، وتفاوته من شخصٍ لآخر، بحسب عوامل عديدة مثل البيئة والديانة وكذا؛ إلا أن هذه المدرسة في جزء مهم منها أسست لمبدأ شديد الأهمية تُعتبر الأمة المسلمة بحاجة إليه أكثر من غيرها في هذه الفترة من تاريخها، والتي تشهد تراجعًا حضاريًّا كبيرًا، مع صيرورة قوانين العمران البشري الربانية الصارمة عليها.

هذا المبدأ هو ضرورة مراجعة مختلف القواعد والمبادئ التي وضعها المفكرون والفلاسفة والمصلحون المسلمون في القرون المتأخرة، والتي جاءت بناءً إما على اعتبارات رؤى خاصة بهؤلاء المصلحون والمفكرون، أو تم وضعها في سياق ظروف وملابسات تاريخية استثنائية في محتواها السياسي والمجتمعي والفكري، وتم إسقاطها في مراحل تاريخية تالية لا تتفق في طبيعتها مع طبيعة المرحلة التي تم فيها وضع هذه المقولات أو الدعوة إلى محتواها.

وقد يكون في بعض هذه المقولات تفاوت في فهم حقيقة النص الثابت، القرآن الكريم وصحيح السُّنَّة النبوية الشريفة، أو تأويل غير سليم لمواقف مرَّ بها الرسول الكريم "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، أو جيل الصحابة والخلفاء الراشدون، وتعاملوا فيها بشكل ما، تم توظيفه في حقبة تاريخية، بناء على فهم المفكرين المسلمين لها، والذي قد يكون – هذا الفهم – لا يتفق مع مقاصد جيل النبوة الأول.

وينطلق هذا المبدأ من حقيقة مهمة أرساها جمهور علماء المسلمين، وهي أن كلٌّ يؤخذ ويُرد عليه إلا الرسول الكريم "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".

ومن بين أهم هذه المقولات المتداولة من جانب حَمَلَة المشروع الإصلاحي والنهضوي في وقتنا الراهن، في العالم العربي والإسلامي، هي مقولة أن الأمة والشعوب العربية والمسلمة بحاجة إلى "مستبد عادل"، يسوس أمورها، ويعمل على إصلاح شأنها.

وتنسب هذه المقولة للإمام محمد عبده، أحد أهم مفكري العالم الإسلامي في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وظهرت في فترة كانت فيها الأمة تتجه إلى واحدة من أسوأ حقبات التراجع الحضاري التي مرت بها، والذي وصل إلى ذروته بانهيار دولة الخلافة الجامعة، في عشرينيات القرن الماضي.

كان مبعث ظهور هذه العبارة لدى محمد عبده أمران أساسيان، الأمر الأول هو حالة الرخاوة والفشل التي وصل إليها حكام الأمة في ذلك الحين، مع فساد بعضهم، وضعف البعض الآخر، ممكن مكَّن أعداء الأمة من احتلال تسعين بالمائة من أرجاء دولة الخلافة قبل تفككها، بتعاون البعض من هؤلاء الحكَّام، كما في حالة الخديوي توفيق في مصر، والذي سلَّم البلاد إلى الاستعماري الإنجليزي.

الأمر الثاني هو سوء تأويل وقع فيه محمد عبده لنمط الدولة والحكم في الإسلام؛ حيث رأى في مراحل الملك العضوض والملك الجبري، والتي سادت غالبية تاريخ دولة الخلافة، وتحدث عنها حديث الرسول الكريم "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، والذي أخرجه الإمام أحمد عن النعمان بن البشير، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة.

فمع طول عهد دولة الملك العضوض والجبر في تاريخ دولة الخلافة، والإنجازات التي حققها بعض حُكَّام المسلمين في هذه المراحل، في مختلف المستويات الحضارية؛ حيث وصلت فتوحات المسلمين إلى أطراف الأرض، وصارت اللغة العربية هي لغة العلم، وصار العرب والمسلمون أكبر قوة في العالم القديم؛ في ظل ذلك، ومع نماذج مثل معاوية بن أبي سفيان وهارون الرشيد، وغيرهما من الخلفاء الذين حكموا الدولة؛ فقد تم الخلط ما بين أمرَيْن؛ الأول هو شكل الحاكم كما أقرته شريعة الإسلام، والثاني هو الشكل القائم للمارسة السياسية والحكم بالفعل.

فتم اصطكاك مصطلح "المستبد العادل"، من جانب محمد عبده، وتداوله من جانب مفكري المسلمين في المراحل التالية، حنينًا إلى فترة ازدهار دولة المسلمين، وإلى نوعية هؤلاء الحُكَّام الذين سادوا العالم، وكانت كرامة المسلم فوق أي اعتبار للعلاقات الدولية والموائمات السياسية.

فلم يزالوا يذكرون هذا الخليفة التي جرَّد جيشًا كاملاً لانقاذ امرأة مسلمة انتهكت كرامتها في بلاد الروم، أو ذلك الحاكم الذي فتح أوروبا الشرقية المسيحية بأكملها، وكان أباطرة أوروبا يسعون لكسب وده ورضاه.

ولكن هذا المصطلح أصلاً متناقضٌ في مكوناته مع بعضها البعض، فالاستبداد ضد العدل أساسًا، فهو - الاستبداد - يعني الانفراد غير السوي، وبالتالي غير العادل، بالرأي والمواقف، أما العدل فهو الميزان السليم للأمور، وهو أساس السُّلَّم القيمي للإسلام.

وللتوضيح؛ فإن غالبية النظريات والأيديولوجيات الكبرى التي سادت عبر التاريخ، تنطلق من سُلَّم قيمي مكوَّن من ثلاث قيم أساسية، وهي الحرية والعدالة والمساوة، وتختلف كل نظرية وكل أيديولوجية عن الأخرى في ترتيبها لهذه القيم.

فالليبرالية تنطلق من سلَّم قيمي يرتب هذه القيم كالتالي: الحرية، ثُمَّ المساواة، ثم العدالة، أما الاشتراكية والشيوعية، فتنطلق من المساواة، ثم العدالة، وأخيرًا الحرية، أما الإسلام فيعزز موقع قيمة العدالة في مقدمة السُّلَّم القيمي، ثم المساواة والحرية، وهو الترتيب الأصوب وفق قوانين العمران البشري التي خلقها الله تعالى، باعتبار أن الإسلام هو شريعته عز وجل، وجاءت منسجمة في تعاليمها وقوانينها.

فالحرية المطلقة كما تنادي الليبرالية، تقود إلى مهاوي أخلاقية وانهيارات اجتماعية، اعترف بها الغرب ذاته، أما المساواة المطلقة، كما تقول الاشتراكية والشيوعية، وحاول البعض تطبيقها في الاتحاد السوفييتي السابق والكتلة الشرقية؛ فإنها لا تتفق مع اعتبارات العدالة التي لا تستقيم من دونها الدنيا ولا العمران المجتمعي، وأدت بالفعل إلى رفض الشعوب لها، لأنه لا يتفق مع الفطرة السليمة، أن يحصل من يعمل على ذات من يحصل عليه من لا يعمل، وفق مبدأ "من كل حسب طاقته، إلى كل حسب حاجته"، أو – كما حاول بعض كبار المفكرين الاشتراكيين تخفيفه – "من كل حسب طاقته إلى كل حسب إنتاجه"، فانهار الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية بأكملها.

أما العدالة؛ فهي القيمة الأقرب للفطرة السليمة، وهي التي تتفق مع معايير العمران البشري السوية، بل هي أساس استقرار الكَوْن؛ لأنها تعني ببساطة تساوي الموازين، بحسب الواقع القائم، فلو لم تكن هناك عدالة في توزيع قوى الجذب والطرد بين الأجرام السماوية؛ لانهار الكون، فلو تساوت هذه القوى من دون مراعاة الأوزان النسبية للأجرام السماوية والكواكب، أو المسافات، أو لو تُرِكَ كل جُرم منها حرًّا لحاله؛ لتبدد الكون، وحاشا الله ذلك، الذي أبدع كل شيء صَنَعَهُ.

ومن ثَمَّ؛ فإن عبارة "المستبد العادل" تتناقض تمامًا مع السلم القيمي للإسلام، والذي هو أساس استقرار الكون والعمران.

ومن يطلق على عمر بن الخطاب "رضي اللهُ عنه" - على سبيل المثال - هذه الصفة؛ فهو لم يقرأ تاريخ دولة الإسلام ولا دولة عمر؛ الذي كان أحرص الناس على الشورى.

فعمر لم يستخدم سلطة الجبر التي كفلتها له الشريعة الإسلامية، كما جاءت في القرآن الكريم وصحيح السُّنَّة النبوية - دستور دولة المسلمين - إلا في مواضعها وفق كل قواعد السياسة والنظم الحديثة، لإقامة العدل وتطبيق القانون وإزالة المظالم، ولكنه لم يكن مستبدًا بالمعنى السياسي الذي نعرفه.

إن الأمة بحاجة إلى الحاكم العادل، فقط، والعدالة تكفي، الأمة بحاجة إلى الحاكم الذي يطبق شريعة الإسلام كما أنزلها الله تعالى فينا، وكما وردت في القرآن الكريم وصحيح السُّنَّة النبوية؛ فيقيم القانون، ولا يسرق، ويضرب على أيدي الفاسدين والمجرمين، ويقيم دولة العدالة والمحاسبة والشفافية، وأهم مبادئها، مبدأ المواطنة الذي إلا يميِّز بين المواطنين بناء على أي معيار، حتى معيار الدين.

فعمر بن الخطاب "رَضِيَ اللهُ عَنْه"، أنصف اليهودي على علي بن أبي طالب "رَضِيَ اللهُ عَنْه" في القضية الشهيرة المتعلقة بالدرع، برغم أن عليًّا هو عليٌّ، ابن عم الرسول الكريم "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، وزوج ابنته، فاطمة الزهراء "رَضِيَ اللهُ عَنْها"، وهو من هو في تاريخ الإسلام.

هذا الموقف من عمر "رَضِيَ اللهُ عَنْه"، يثبت أنه لم يكن مستبدًا، وهو ما كان له أبلغ الأثر في نشر الإسلام؛ فعدالة عمر "رَضِيَ اللهُ عَنْه"، أدت إلى إسلام اليهودي.

وما فعله عمر "رَضِيَ اللهُ عَنْه"، وعمر بن عبد العزيز "رَضِيَ اللهُ عَنْه"، وغيرهما من خلفاء المسلمين الراشدين، هو أن طبقوا ما يُعرف في وقتنا الحالي، بقواعد الحكم الرشيد، والتي تقوم على العدالة وحدها، من دون استبداد بالرأي أو خلافه.

وهو ما يختلف عن سلطة الجبر، والتي تعرف في الأدبيات الحديثة بالاستخدام المشروع للعنف من جانب الدولة لإنفاذ القانون وحفظ الأمن والاستقرار وفق القواعد المرعية بين البشر؛ لا لإخضاع الشعوب للحاكم المستبد الظالم.
وحتى في الاصطلاح اللغوي والسياسي؛ نجد أن كلمة المستبد دائمًا ما تقرن بالظالم في تراكيب الجُمَل، ودائمًا في الاستخدام الاصطلاحي لكلمة "الاستبداد"، نجدها مرتبطة بقضية الظلم السياسي والمجتمعي، والذي يقود إلى ثورة الشعوب وخروجها على حاكمها.

-----------------------
بالتعاون مع "بصائر"

: المقال الاكثر قراءة
• حقوق الجار