• jQuery Image slider حفل تحضره الملائكة
  • jQuery Image slider الأخ النابـه المستشار عبد الله العقيل
  • jQuery Image slider يا منصف الأعلام ... إلى المستشار عبدالله العقيل
  • عربي
  • انجليزي
  • فرنساوى
  • أردى
« فكر و حركة

كلمة في أذن الحركيين!

أحمد التلاوي

بين أهم المشكلات الراهنة التي ابتُلِيَتْ بها الحركة الإسلامية، عدم التدقيق في بعض الأمور والسياسات التي يتم تبنيها من جانب قيادات الحركة والصف العامل، في مختلف الاتجاهات السياسية والإعلامية والمجتمعية، ومدى تطابقها مع الإطار الشرعي، وما يرتبط به من جوانب قيمية وأخلاقية، فرضها الذي فرض علينا القرآن الكريم.

ويتصدر حديث البعض عند مناقشة هذه الجوانب، بعبارات بعينها، تتعلق بـ"ضرورات الواقع"، وأن "الخصوم يتبنون أدوات كذا غير شرعية"، وأنه من "حقنا الرد بذات الوسيلة"، أو أن "الموائمة السياسية تقتضي ذلك"، ثم يضعون اعتبار "المصلحة" في مقدمة تبريراتهم لذلك الفعل الذي يخالف أصول الشريعة الإسلامية كما وضعها الله عز وجل.

ويزيد البعض من الحركيين في وقتنا الراهن من وتيرة البراجماتية في عملهم، تحت مبرر المصلحة، وفق طبيعة الظروف المعقدة والحرب الشرسة التي تخوضها الحركة الإسلامية الصحوية في كل مكان، والتي طالت الأرواح والأموال والممتلكات والأفكار وكل شيء!

والبراجماتية، وتعني بالإنجليزية "Pragmatism"، هى مذهب فلسفي، وضع مبادئه الفيلسوف تشارلز ساندرز بيرس، في الولايات المتحدة، في العام 1878م، وطورها من خلفه كل من وليام جيمس، وجون ديوي، وهما من أهم فلاسفة القرن التاسع عشر، في الغرب.

ويقوم هذا المذهب الذي يُعرف أيضًا في عُرف بعض المترجمين بـ"الذرائعية"، على أساس قياس صدق القضية بنتائجها العملية، ويرى أنصار هذا المذهب – انطلاقًا من ذلك - أن الحق نسبي؛ يُقاس بزمن معين، أو بمكان معين، أو بمصلحة معينة، وهو ما يعني النفعية في أبسط صورها.

فيصف ديوي البراجماتية بأنها "فلسفة معاكسة للفلسفة القديمة التي تبدأ بالتصورات، وبقدر صدق هذه التصورات تكون النتائج، فهي تدعُ الواقع يفرض على البشر معنى الحقيقة، وليس هناك حق أو حقيقة ابتدائية تفرض نفسها على الواقع".

أما وليم جيمس فكان أكثر صراحة في ربطها بالنفعية المادية، فيقول إن "المنفعة العملية هي المقياس الوحيد لصحة هذا الشيء او ذاك"، منطلقًا في ذلك من مبدأ طرحه الفيلسوف اليوناني القديم بروتاجوراس، رائد مذهب السوفسطائية، والذي يقول إن الإنسان هو مقياس كل شيء؛ فهو مقياس وجود ما يوجد من الأشياء ومقياس لا وجود ما لا يُوجد منها.

أي أن البراجماتية، ببساطة غير مخلَّة بالمعنى، مذهب يفصل الواقع تمامًا عن القيمة المطلقة، بما ترتبط به من أخلاق، والقيمة هي أحد مباحث الفلسفة الرئيسية، وهي: مبحث الوجود "الأُنطولوجي" (Ontology)، ومبحث المعرفة "نظرية المعرفة أو الإبستمولوجي" (Epistemology)، بجانب مبحث القيم "الأكسيولوجي" (Axiology).

أي أن هذا المذهب وأنصاره متمردون في حدِّ ذاتهم على الفلسفة بمعناها الأصلي كما اصطكها الآباء الأوائل لها، مثل أفلاطون وسقراط.

ويقول مختار العربي، على موقع "الحوار المتمدن"، إن "البراجماتية" في الأصل هي عبارة عن تطوير جديد أو مزاوجة فلسفية بين مذهبَيْن فلسفيَّيْن قديمَيْن، وهما: السوفسطائية، والأبيقورية، والأول يعتمد على التشويش العقلي في الأدلة المستخدمة لإثبات أو نفي أية قضية، بما يؤدي إلى اهتزاز مفهوم الحقيقة كما هي في الواقع، بينما المذهب الثاني يقوم على أساس الإعلاء من مبدأ اللذة الحيوانية.
وحتى عندما درس بعض المفكرين المسلمين، مثل ابن رشد وابن عربي، الفلسفة، كان هناك تأكيد مهم لديهم - عند محاولتهم المزج أو الموائمة ما بين الدين والفلسفة - على الجانب الأخلاقي والقيمي للفلسفة، باعتبار أنها رياضة عقلية تسمو بذهن الإنسان وأخلاقياته، وترتبط بالأوامر القرآنية الخاصة بالتأمل في صنع الله عز وجل، وأخذ العبرة والعظة منه.

لذلك كانت الفلسفات المادية النفعية التي ظهرت عبر التاريخ في الغرب والشرق، بعيدة بشكل كبير عن فكر وتناول الفلاسفة المسلمين، لتجاوزها للقيم المطلقة التي حددها الإسلام، مثل فلسفة أبيقوريوس في اليونان، والزرادُشتية والمانوية في بلاد فارس.

الشاهد أن الفلسفة ذاتها، حتى، تتبرأ في مكونها الفكري، من البراجماتية كمحتوىً قيمي، ومن ثَمَّ؛ فإن الحركة الإسلامية أولى ما تكون من غيرها، بالابتعاد عن هذا المفهوم.

البديل الذي يجب تحكيمه في هذا الأمر، هو المصلحة، والمصلحة باب مهم من أبواب الشريعة، وهناك الكثير من التأصيلات الشرعية الأصولية لها، بالأدلة اللازمة، التي يتم فيها تحكيم المصلحة، وكيف ومتى يتم تغليب المصلحة على النصوص الشرعية بما فيما من أوامر ونواهٍ، وأهمها أن تكون هذه المصلحة شرعية ومرسلة، وأوسع فيما يخص حال المسلمين، وأهم بكثير مما يقتضيه تحقيق النصوص الشرعية الأخرى التي تتعارض مع المصلحة في الظاهر.

يرتبط بذلك أيضًا قضية الضرورة الشرعية، التي تبيح المحذورات؛ حيث يقول جمهور العلماء إن الضرورة التي تبيح المحذورات؛ هي الضرورة التي لا يمكن للأمر أن يتم من دونها، فقط، فلو يتم الأمر من دون هذه الضرورة، ولو بوسيلة واحدة؛ ما صح تجاوز المحظورات والمحذورات لأجلها.

ولكن الواقع الراهن يقول العكس؛ حيث هناك الكثير من التجاوزات الشرعية التي تتم باسم الضرورات، وبأن المصلحة والواقع يفترضان ذلك، بينما الأمر لا يحقق أية مصلحة، ولا يتطلب حكم الضرورة

وفي الأخير؛ فإنه من الأهمية بمكان أن نهمس في أذن الحركيين: احترس؛ فللبراجماتية حدودها، لأنها لو تجاوزت الإطار الشرعي؛ فسوف تخسر الحركة المعينات الربانية التي كفلها الله تعالى لعباده المتقين، كذلك سوف تفقد تأييد الكثيرين ممن سوف يرون أنه لا فارق بين الحركة الإسلامية وخصومها، مع فقدانها مصداقية خطابها القيمي والأخلاقي أمام جموع الجماهير.

إذًا؛ فهناك ضرورة للممايزة ما بين الواقعية المنجِزة وبين البراجماتية المذمومة من جانب الحركة الإسلامية، قيادةً وصفًّا، من أجل التأكيد على أهمية العمق القيمي والخلقي للدعوة، في وقت يسود فيه التشويش مختلف الآفاق!

-----------------------
بالتعاون مع "بصائر"

: المقال الاكثر قراءة
• حقوق الجار