• jQuery Image slider حفل تحضره الملائكة
  • jQuery Image slider الأخ النابـه المستشار عبد الله العقيل
  • jQuery Image slider يا منصف الأعلام ... إلى المستشار عبدالله العقيل
  • عربي
  • انجليزي
  • فرنساوى
  • أردى
« فكر و حركة

"واعتصموا".. نعمة الله على أحبابه

المستشار عبد الله العقيل : بقلم

كما اختار الله "العربية" لتكون وعاء رسالته الخاتمة اختار "الأخوة" لتكون مصدر القوة والمنعة للأمة المؤمنة، قال تعالى: "إنما المؤمنون إخوة"، وتبقى أخوة الإيمان هي الكفيلة بإذابة العصبيات الجاهلية، وهي الضامن لإسقاط فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتقدم أحد أو يتأخر إلا بمروءته وتقواه.

وقد جعل الرسول (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) هذه الأخوة عقدًا نافذًا، لا لفظًا فارغًا، وعملاً يرتبط بالدماء والأموال، لا تحية تثرثر بها الألسنة ولا يقوم لها أثر. وتبقى عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة تمتزج في هذه الإخوة وتملأ المجتمع المؤمن بأروع الأمثال.

ولله در الشيخ البنا حين قال: "وأريد بالأخوة: أن ترتبط القلوب والأرواح برباط العقيدة. والعقيدة أوثق الروابط وأغلاها، والأخوة أخت الإيمان، والتفرق أخو الكفر، وأول القوة قوة الوحدة، ولا وحدة بغير حب، وأقل الحب سلامة الصدر، وأعلاه مرتبة الإيثار (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون).

والأخ الصادق يرى إخوانه أولى بنفسه من نفسه، لأنه إن لم يكن بهم فلن يكون بغيرهم، وهم إن لم يكونوا به كانوا بغيره، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)، وهكذا يجب أن نكون.

فاحرص على سلامة صدرك نحو إخوانك، وجاهد نفسك لتصل ومن معك إلى مرتبة الإيثار، ولو هبط الأفراد عن أدنى مراتب الأخوة فستبدأ الفرقة، ويسود التنازع، وهذا يؤدي إلى الهزيمة {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} (الأنفال: 46). فتحابوا فيما بينكم، واحرصوا كل الحرص على رابطتكم، فهي سرّ قوتكم، وعماد نجاحاتكم، واثبتوا حتى يفتح الله بينكم وبين قومكم بالحق وهو خير الفاتحين".

ويقول صاحب الظلال في تفسيره لقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (:103)، "هذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة يمتن الله بها على الجماعة المسلمة الأولى. وهي نعمة يهبها الله لمن يحبهم من عباده دائمًا. وهو هنا يذكرهم هذه النعمة. يذكرهم كيف كانوا في الجاهلية "أعداء".. وما كان أعدى من الأوس والخزرج في المدينة أحد. وهما الحيان العربيان في يثرب. يجاورهما اليهود الذين كانوا يوقدون حول هذه العداوة وينفخون في نارها حتى تأكل روابط الحيين جميعًا. ومن ثم تجد يهود مجالها الصالح الذي لا تعمل إلا فيه، ولا تعيش إلا معه. فألف الله بين قلوب الحيين من العرب بالإسلام.. وما كان إلا الإسلام - وحده - يجمع هذه القلوب المتنافرة. وما كان إلا حبل الله الذي يعتصم به الجميع فيصبحون بنعمة الله إخوانًا.

وما يمكن أن يجمع القلوب إلا أخوة في الله، تصغر إلى جانبها الأحقاد التاريخية، والثارات القبلية، والأطماع الشخصية والرايات العنصرية. ويتجمع الصف تحت لواء الله الكبير المتعال.. {واذكروا نعمة الله عليكم، إذ كنتم أعداء، فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخوانا}..

ويذكرهم كذلك نعمته عليهم في إنقاذهم من النار التي كانوا على وشك أن يقعوا فيها، {وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها}.. إنقاذكم من النار بهدايتهم إلى الاعتصام بحبل الله - الركيزة الأولى - وبالتأليف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمة الله إخوانا - الركيزة الثانية.

والنص القرآني يعمد إلى مكمن المشاعر والروابط: "القلب".. فلا يقول: فألف بينكم. إنما ينفذ إلى المكمن العميق: {فألف بين قلوبكم} فيصور القلوب حزمة مؤلفة متآلفة بيد الله وعلى عهده وميثاقه. كذلك يرسم النص صورة لما كانوا فيه. بل مشهدا حيًا متحركا تتحرك معه القلوب: {وكنتم على شفا حفرة من النار}.. وبينما حركة السقوط في حفرة النار متوقعة، إذا بالقلوب ترى يد الله، وهي تدرك وتنقذ! وحبل الله وهو يمتد ويعصم. وصورة النجاة والخلاص بعد الخطر والترقب! وهو مشهد متحرك حي تتبعه القلوب واجفة خافقة، وتكاد العيون تتملاه من وراء الأجيال!

والآية الكريمة تشي - مع ما قبلها في السياق وما بعدها - بأنه كانت هناك حركة دائبة من اليهود لتمزيق شمل الصف المسلم في المدينة، وإثارة الفتنة والفرقة بكل الوسائل. والتحذيرات القرآنية المتوالية من إطاعة أهل الكتاب، ومن الاستماع إلى كيدهم ودسهم، ومن التفرق كما تفرقوا.. هذه التحذيرات تشي بشدة ما كانت تلقاه الجماعة المسلمة من كيد اليهود في المدينة، ومن بذرهم لبذور الشقاق والشك والبلبلة باستمرار.. وهو دأب يهود في كل زمان. وهو عملها اليوم وغدا في الصف المسلم، في كل مكان!".

ولتنمية الأخوة في الله وسائل كثيرة ومتعددة، نجمل منها هنا:

الحب في الله: فهذا أروع وأعظم أنواع الحب، أن يكون في الله ولله، فلا نفع ولا غرض دنيويًا وراءه، وفي الحديث القدسي: (المتحابون في جلالي لهم منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء) (رواه الترمذي).

سلامة الصدر: وسيلة في غاية الأهمية لتقبل ما يبدر عن الآخرين بدون حقد أو ضغينة أو سوء نية، وكذلك لحمل الأقوال والأفعال على معانيها الحسنة.

قال النبي (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم): (لا تقاطعوا ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانًا، لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) (رواه البخاري).

وعن عبد الله بن عمرو (قيل يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: كل مخموم القلب صدوق اللسان، قيل صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي، ولا غل ولا حسد" (رواه ابن ماجة).

الإيثار: والإيثار معناه أن يقدم المرء أخاه على نفسه في كل ما يحب، فهو يجوع ليشبع أخوه، ويظمأ ليرتوي، ويسهر لينام، ويجهد ليرتاح، ويعرض صدره للرصاص ليفدي أخاه، وقد يكون الإيثار أمرا شاقا على النفس، وعسير الحصول عند كثير من الناس، ولكنه أيسر ما يكون بالنسبة للقلب السليم (كما يقول ابن الصلاح بتصرف) (تفسير ابن كثير).

النصح والتواصي: فقد كان للمؤاخاة أثر في التناصح بين المسلمين، فعن أبي جحيفة عن أبيه قال: (آخى النبي (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذِّلة (قبل نزول الحجاب) فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا،  فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا، فقال له: كل فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال نم، فلما كان من آخر الليل قال سلمان قم الآن، فصلَّيا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) فذكر ذلك له، فقال له النبي (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) صدق سلمان) (البخاري).

معرفة الفضل: قال تعالى: (ولا تنسوا الفضل بينكم) فمعرفة المسلم لفضل أخيه، بل ومحاولته البحث له عن فضل تجعله يحبه، ويتقبل منه، ويسمع له بدلاً من أن ينفر منه، ويتجنب لقاءه، فإذا بحث كل واحد منا عن فضل لأخيه؛ فسوف يزدهر العمل، ويحس بقيمة أخيه وتأثيره وفضله.

المصارحة والمكاشفة: فهي تزيل عن القلب موانع تعطل تيار الأخوة مادامت تؤدى بطرقها السابق ذكرها، فلابد للمسلم من أن يصارح أخاه بما في صدره، فربما وجد عنده إجابة شافية تكفيه مؤونة الإرهاق الذهني والقلق، والتوتر الذي يؤثر حتمًا على سلامة الصدر.

ولنا في الرسول (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) وأصحابه الأسوة في ذلك، ففي بيعة العقبة الثانية وقف أبو الهيثم بن التيهان يصارح ويكاشف، ويستفسر من الرسول (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) عما يجول في نفسه؛ فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال – يعني اليهود – حبالاً، وإنا لقاطعوها، فهل عسيت إن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله، أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال كعب بن مالك: فتبسم رسول الله (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم)، ثم قال: (بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم)، فهذه قمة المصارحة والمكاشفة حتى لما يجول في أغوار النفس، وقد تقبلها النبي (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) برحابة صدر، وذلك درس في واجبات القيادة لتقبل المصارحة والمكاشفة بسلامة صدر، والعمل على إزالة ما قد يكون قد التبس على أذهان إخوانهم.

التسامح والتراحم: يجب أن يكون ديدن العاملين للإسلام هو التسامح والتراحم حتى لمن ظلمهم، فينبغي أن يعذر بعضنا بعضًا، وأن يسامح بعضنا بعضًا، وأن نتراحم فيما بيننا. وصدق الله العظيم إذ يقول: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك} (آل عمران: 159). وفي الحديث: (من اعتذر إلى أخيه المسلم فلم يقبل منه كان عليه مثل خطيئة صاحب مكس) (رواه ابن ماجة) وفي رواية (من تنصل إليه فلم يقبل لم يرد الحوض) (الطبراني).

ولحماية الأخوة وسائل منها:

معرفة فقه الخلاف (فقه السعة): ولقد صنف عامر بن عبد الله كتابًا سماه (الاختلاف) قال: فعرضته على أحمد بن جنبل فقال لا تسمه الاختلاف ولكن سمه (السعة)،  نحن يمكن أن نختلف وأن تتباين وجهات نظرنا دون أن يحنق أحدنا على الآخر أو يحمل لأخيه أية ضغينة، بل نتبع القاعدة الذهبية لصاحب المنار (الشيخ محمد رشيد رضا) التي تقول: لنتعاون فيما اتفقنا عليه وليعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه.

استصحاب فقه الأولويات: فقد يكون رأيي صوابًا ولكن هناك ما هو أولى منه في مرحلة ما، فإذا عرفنا ذلك عذرنا بعضنا بعضًا، وقوينا من أخوتنا وأعنا بعضنا بعضًا على المهام الموكلة لكل منا.

رفع سقف الاختلاف: فينبغي أن نحسن الظن ببعض، وأن تتسع صدورنا للنقد البناء، وأن يعمل كل منا على احتواء الخلاف من جانبه، وكأنه هو المسؤول عن ذلك، وهذا لهدف أسمى وأرفع وأنبل، وهو إثراء روح الأخوة.

رفع مستوى الحوار: لابد من أن يحرص كل منا على نفس أخيه، وألا يجرحه، وأن يراعي معه أدب الحديث، وألا تكون الأخوة مرادفًا لعدم الحرص في الحديث أو الابتذال فيه، أو زوال الفوارق السنية والاجتماعية، فلا بد من أن نرقى بأسلوب حوارنا، وأن يحترم كل منا الآخر، قال رسول الله (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم): "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا".

وتبقى أخوة الإيمان سدًا منيعًا أمام نزغات الشيطان وهي بلسم الدعوة ووسيلتها المؤثرة على مر العصور والأزمان والحمد لله من قبل ومن بعد.

: المقال الاكثر قراءة
• حقوق الجار