• jQuery Image slider حفل تحضره الملائكة
  • jQuery Image slider الأخ النابـه المستشار عبد الله العقيل
  • jQuery Image slider يا منصف الأعلام ... إلى المستشار عبدالله العقيل
  • عربي
  • انجليزي
  • فرنساوى
  • أردى
الفراغ والغفلة

محمد أحمد الراشد

سيظل اسمنا مكتوبًا في سجل الغافلين الفارغين ما دمنا لا نعطي للدعوة إلا فضولَ أوقاتنا، وما دمنا لا نشغفها حبًا ولا نتخذها حرفة. إن الداعية المسلم لا يملك نفسه حتي يسوغ له أن يمنح نفسه إجازة، وإنما هو - كما شبهه بعض الأفاضل: (وقف لله تعالي)

تمامًا كنسخة من كتاب نافع حين تُوقَف لله تعالي وتوضع في مسجد من مساجد الله، فكل داعية موقوف لله، في جزء من أجزاء دعوة الله. وإن فضول الأوقات ليست قليلة ومحدودة فحسب، وإنما هي أردأ ساعات اليوم، حيث يكون فيها الذهن والجسم متعبين أشد التعب.

وما تجاوز الأستاذ المودودي (رحمه الله) أعراف أجيال الدعاة حين صارحنا في تذكرته القيمة وقال: "إنه من الواجب أن تكون في قلوبكم نارٌ متقدةٌ تكون في ضرامها - علي الأقل - مثل النار التي تتقد في قلب أحدكم عندما يجد ابنًا له مريضًا ولا تدعه حتي تجره إلي الطبيب، أو عندما لا يجد في بيته شيئًا يسد به رمق حياة أولاده، ولا تزال تقلقه وتضطره إلي بذل الجهد والسعي".

ولم يتجاوز حين كرر وقال ثانية: "اسمحوا لي أن أقول لكم إنكم إذا خطوتم علي طريق هذه الدعوة بعاطفة أبرد من تلك العاطفة القلبية التي تجدونها في قلوبكم نحو أزواجكم وأبنائكم وآبائكم وأمهاتكم فإنكم لابد أن تبوءوا بالفشل الذريع، بفشل لا تتجرأ بعده أجيالنا القادمة علي أن تتفكر في القيام بحركة مثل هذه إلي مدة غير وجيزة من الزمان، عليكم أن تستعرضوا قوتكم القلبية والأخلاقية قبل أن تهموا بالخطوات الكبيرة". إن من يطالب الآن بإلغاء الراحة فإنه إنما يستند إلي مادة واضحة في قانون الدعوة والدعاة سَنَّها عمرُ الفاروق (رضي الله عنه) تنطق بصراحة أنَّ: (الراحة للرجال: غفلة)

وجددها إمام المحدثين شُعبة بن الحجَّاج البصري فقال: "لا تقعدوا فراغًا فإنَّ الموت يطلبكم". ذلك أن من أراد الراحة والسكون فإن الموت والقبر يزودانه منهما حتي يشبع. وكأننا - والله - قد أسرفنا في الغفلة، ولابد من عزيمة نفطم بها نفوسنا عن اللهو.

إننا حين نثبت جواز التمتع بالمباحات فلكي يعلم مَن نخاطبه أننا لا ندعو إلي مثل الطريقة المبتدعة التي كان عليها بعض الزهاد من الجوع والعري والرهبانية، وإلا فلا يزال جواب ابن الجوزي يصلح جوابًا لنا حين سأله سائل: أيجوز أن أفسح لنفسي في مباح الملاهي? فقال: "عند نفسك من الغفلة ما يكفيها".

فإن اعترض معترض: أتيناه بمثل كلام ابن القيم حيث يقول: "لابد من سنة الغفلة، ورقاد الغفلة، ولكن كن خفيف النوم". فنحن لا ننكر ما في المعني الحرفي لإطلاقات مَنْ عاب الراحة من إرهاق، وإنما نريد - كما أرادوا - تقليلها إلي أدني ما يكفي الجسم، كل حسب صحته وظروفه، خاصة وأن المؤمن في هذا الزمان أشد حاجة للانتباه ومعالجة قلبه وتفتيشه مما كان عليه المسلمون في العصور الماضية، كما يجب عليه شيء من المجاهدة والمراقبة لوقته أكثر مما كان يجب علي السلف. فكن خفيف النوم أيها الداعية المسلم لتحصل لك هذه الهمة العظيمة.

وانتبه من رقدة الغفـ ... ـلة، فالعمر قليل

واطَّرِح سوف وحتي فهـما داء دخيل وعَبّر الصالحون عن هذه المعاني أحيانًا بلفظ آخر سموه: حفظ الوقت، أو: مراعاة الوقت. فيري الإمام البنا أن: "من عرف حق الوقت فقد أدرك قيمة الحياة، فالوقت هو الحياة". أو كما قال في خُطبة المؤتمر الخامس: (إنما الوقت هو الحياة) يخالف بذلك قول الماديين: الوقت من ذهب. وكان (رحمه الله) يحب أن يتجاوز الداعية معرفة حق وقت يومه إلي التخطيط لصرف وقت غده، فينوي لكل ساعة نوع خير، و"ينام علي أفضل العزائم".

وترك الفراغ، والاستيقاظ من رقدة الغفلة: معناهما التعب، ثم التعب، واستفراغ الوُسع في العمل لله. نطق بذلك الإمام الشافعي، ونفي أن تصح مروءة داعية يطلب الراحة، فقال: "طلب الراحة في الدنيا لا يصح لأهل المروءات، فإن أحدهم لم يزل تعبانَ في كل زمان". ولما سُئل أحد الزهاد عن سبيل المسلم ليكون من صفوة الله، قال: (إذا خلع الراحة، وأعطي المجهود في الطاعة). فالداعية الصادق يخلع الراعة، ويعود لا يعرفها، وإنما يبذل المجهود من نفسه، ويستفرغ كل طاقته في خدمة الدعوة.

-----------------------
(*) داعية إسلامي

:افتتاحيات سابقة
• كيف نقطف ثمار الإيمان؟
• وبشِّر المؤمنين
• هؤلاء هم الرجال حقًا!
• في الدعوة.. استعينوا بالزاد الإيماني
• الدعوة إلى الله أشرف مهمة
• عن الرئيس أوباما والأمير تركي الفيصل وتصحيحات واجبة!
• وعى الحضارة الإسلامية بقيمة مجاهدة الباطل
• موقع المستشار عبد الله العقيل يعيد نشر الإنتاج الفكري له
• وصية لابد منها لتغيير أحوال المسلمين
• النَّبيِّ "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" وحُسن تفعيل السُّنن الاجتماعية
• المستشار عبد الله العقيل ينعي للأمة الأستاذ أحمد سيف الإسلام حسن البنا
• هزيمة اليأس
• دين الفطرة والعقل ومعركة المنفلتين وأصحاب الهوى!
• الطوباوية أم الواقعية المنضبطة بالشرع؟
• التشكيك بالسنة النبوية وآفة التقليد والانهزامية