• jQuery Image slider حفل تحضره الملائكة
  • jQuery Image slider الأخ النابـه المستشار عبد الله العقيل
  • jQuery Image slider يا منصف الأعلام ... إلى المستشار عبدالله العقيل
  • عربي
  • انجليزي
  • فرنساوى
  • أردى
التشكيك بالسنة النبوية وآفة التقليد والانهزامية

أويس عثمان

تهدف هذه الدعوات إلى نسف حجية المصدر الثاني للشريعة الإسلامية، وجعل الدين خاضعاً للقرآن، مما يعني فتح الباب لتحريف الدين، وإنكار أحكامه، واستهداف فلسفته وحكمته التشريعية التي أرادها الباري عز وجل.

يسجل لشبكات التواصل الاجتماعي تسهيل تناقل الأفكار والرؤى ونقدها ومناقشتها، وهو ما يعني إزالة كافة العوائق التي تضعها الدول والمنظمات للحيلولة دون ظهور أفكار تتعارض مع نهجها، وأسسها. لكن في المقابل فإن  وسائل التواصل هذه قد كشفت عن آفات خطيرة تفتك ببعض شباب أمتنا، أو ممن يحسبون أنفسهم على "المثقفين"، أو حتى بعض "الملتزمين" أو أبنائهم، والتي بدورها تفتك بأصول الدين، وسلامة الاعتقاد وصحته، وتجعل الدين خاضعاً للتفسيرات العقلية، التي لا تتفق بين شخص وآخر.

ومن أبرز هذه الآفات، موضة التشكيك بالسنة النبوية، وبصحة الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء بإنكار السنة بشكل كامل، والطعن في صحة علم الرواية، وما يتفرع عنه من علوم. أو التشكيك ببعض الروايات الصحيحة، بزعم مخالفتها للقرآن – من وجهة نظرهم - دون أدنى امتلاك لفهم المراد من النصوص وحقيقة التعارض بينها.

ولم يقتصر الأمر على إنكار أمر هنا أو هناك، فالموضوع لا يقتصر على حد رجم الزاني، أو قتل المرتد، وإنما تطرق إلى الغيبيات وأصول العقيدة، بل ونسف حجية المصدر الثاني للشريعة الإسلامية، وجعل الدين خاضعاً للقرآن، مما يعني فتح الباب لتحريف الدين، وإنكار أحكامه، واستهداف فلسفته وحكمته التشريعية التي أرادها الباري عز وجل.

ويعود السبب الرئيس في هذا الأمر إلى ضعف الثقافة الشرعية لدى القائلين به، بحيث تكون عقولهم خاوية تتقبل فكرة التمرد ومخالفة التيار العام من الناس حتى لو كان ذلك متعلقاً بأمور الدين، بحجة تجديد الفهم وتصحيح الطريق.

إذ دعوى التشكيك بحجية السنة ليست وليدة أيامنا هذه، وإنما هي قديمة ولها كثير ممن قالوا بها، بل وقد أشار لهم النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "يوشك الرجل متكئا على أريكته، يحدّث بحديث من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله عز وجل، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرّمناه، ألا وإن ما حرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرّم الله". (أخرجه ابن ماجه، ورواه بلفظ قريب منه أصحاب السنن وأحمد، وهو حديث صحيح).

لكن الجديد في الأمر، حدث بعد انطلاق الربيع العربي، وخصوصاً بعد الردة عليه ابتداء في مصر، والذي تمثل في أمرين:

الأول: إتاحة المجال للمفسدين وأعداء الدين للظهور على التلفاز، وتعريف الناس بهم لمتابعتهم، وتبني انحرافاتهم، بحجة مخالفة الإسلاميين وعلى رأسهم الإخوان المسلمين، وما يدعون إليه من فكر إسلامي صحيح، واستغلال تخاذل بعض الإسلاميين أو خوفهم من معارضة ما يجري من قمع واضطهاد.

الثاني: ظهور بعض الدعوات من قبل بعض المحسوبين على التيار الإسلامي –وهم أقلية بلا شك- نتيجة حالة الإحباط من الواقع وفشل الإسلاميين –حسب وجهة نظرهم- وبالوقت نفسه الانسياق وراء الأمر الأول، بسبب ضعف الحجة، وضحالة الفكر.

حقائق ومسؤوليات

إن ظهور مثل هذه الدعاوى داخل المجتمع الإسلامي أمر عادي وطبيعي، فمن الطبيعي أن تختلف الآراء في كل شيء، حتى فيما يتعلق بالدين ونصوصه، يقول الله تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفانت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس:99]. لكن ظهور بوادر هذا الأمر داخل بعض أفراد الصف الدعوي، أو المناصرين للدعوة، يحتاج إلى وقفة متأنية وحازمة، ومراجعة لطبيعة المنهاج التربوي، أو آليات تطبيقه داخل المحاضن التربوية والدعوية.

إن الدعوة الناجحة توازن بين جميع متطلبات الفكر وصقل شخصية الفرد، لكنها تعطي الأولوية للتربية الناجحة، وزرع قيمها داخل النفس وعدم الاكتفاء بطرح الأمور وقراءة النصوص دون فهم، وأساس ما سبق هو الاهتمام بصحة الاعتقاد، وسلامة الفهم، وقوة الإيمان.

وهو ما اهتم به الإمام الشهيد حسن البنا –رحمه الله- حيث وضع هذا في الأصل الثاني من الأصول العشرين، والذي ينص على أن: (القرآن الكريم والسنة المطهرة مرجع كل مسلم في تعرف أحكام الإسلام، ويفهم القرآن طبقا لقواعد اللغة العربية من غير تكلف ولا تعسف، ويرجع في فهم السنة المطهرة إلى رجال الحديث الثقات).

إن عدم الحزم في هذه المواقف، وعدم المعالجة التربوية الجذرية لهذا الأمر ومثله، سيجر الدعوة إلى أتون صراعات جانبية، ونقاشات مكررة، هي في غنى عنها في هذه المرحلة الحساسة، التي تتطلب زيادة الانفتاح على الشعوب، والالتحام بها، والدفاع عن حقوقها ومطالبها.

دعوى باطلة

وعودة إلى طبيعة هذا المرض الفكري، فإنني لا أريد أن أبسط القول على بطلان هذا الأمر من أصله، لكن يكفي أن نشير بعض الإشارات فيما يتعلق به، ومنها:
– علم الشريعة له قواعد علمية، وأصول وفروع معقدة على الآخرين، كأي علم آخر، ولا يصح أن يتطاول عليه من يجهل أبسط القواعد العلمية لينسف الأصول الكلية والرئيسة لهذا الدين. لذلك، حينما يظهر لدى البعض أي إشكال أو سوء في الفهم فإنهم لابد من أن يسألوا من يفقه في أحكام الدين، ولديه القدرة على إيجاد الجواب الشافي. وهذا الأمر هو ما أشار إليه القرآن الكريم، فالمعلوم أن القرآن الكريم يخاطب عموم الناس، لكنه في نفس الوقت بيّن أن هناك أموراً يحتاج الناس إلى السؤال عنها، فقال تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل:43] وقال: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء:83].

– الإسلام يقدر العقل ويحترمه ويحث على التفكر والتدبر، لكن ليس على حساب النص الصحيح، خصوصاً فيما يتعلق بالأمور الغيبية، فعقل الإنسان محدود بطبيعة حواسه ولا يستطيع أن يتصور أشياء خارجة عما تدركه هذه الحواس، ولهذا لابد من التسليم بالنص إذا كان صحيحاً.

– كثير من أصحاب هذه الدعوات لديهم انتقائية في قراءة النصوص، أو اجتزاء للنصوص بما يتناسب مع دعواهم القائمة على التشكيك بالأحاديث الصحيحة، أو التدليس على القارئ عبر القول عن بعض الأحاديث بأنها صحيحة وهي في غاية الضعف. لهذا لو أتعب هؤلاء أنفسهم بقراءة ما كتبه أهل العلم من شراح الحديث وغيرهم، لوجدوا أن لا تعارض وأن الجواب الشافي مبثوث في كتبهم رحمهم الله.

– التعارض الذي يحدث بين النصوص الشرعية المختلفة هو تعارض ظاهر غير حقيقي، ونسبي يختلف بين شخص وآخر، حسب علمه ومعرفته بأصول الشريعة وقواعدها.

يقول الشاطبي رحمه الله في الاعتصام: (على الناظر في الشريعة أن ينظر بعين الكمال، وأن يوقن أنه لا تضاد بين آيات القرآن، ولا بين الأخبار النبوية، ولا بين أحدهما على الآخر). ويقول الشيخ الغزالي رحمه الله: (لا يتعارض حديث مع كتاب الله أبداً، وما يبدو حيناً من تعارض، هو من سوء الفهم لا من طبيعة الواقع). كما أن للعلماء مناهج في درء التعارض بين النصوص وهي يرجع إليها في مظانها في كتب علم أصول الفقه وغيره.

------------------------------
بالتعاون مع "بصائر"