• jQuery Image slider حفل تحضره الملائكة
  • jQuery Image slider الأخ النابـه المستشار عبد الله العقيل
  • jQuery Image slider يا منصف الأعلام ... إلى المستشار عبدالله العقيل
  • عربي
  • انجليزي
  • فرنساوى
  • أردى
هزيمة اليأس

د. مصطفى محمد أبو طاحون(*)

يرتبط الإنجاز بالأمل؛ فالأمل يدعو إلى العمل، وبالمقابل فاليأس يضعف البأس، وقد عرض القرآن للأمل واليأس كليهما، فذكر الأمل مرتين بسورتي: الحجر والكهف، وأكثر من ذكر اليأس فذكره بالمائدة والممتحنة والطلاق والعنكبوت ويوسف والرعد وهود والإسراء وفصلت، واليأس بالقرآن يعني انقطاع الأمل، وهو مستهجن في أكثر مواضع ذكره، من ذلك قوله تعالى: {والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم} (العنكبوت: 23).

وقد يمتلك اليأس الإنسان لمجرد أن يمسَّه شرٌّ {لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسَّه الشر فيؤوس قنوط} (فصلت: 49) أو لمجرد أن ترفع عنه نعمة أو تنزع منه رحمة {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس كفور} (هود: 9).

والأمل عند البعض: شعور عاطفي يتفاءل به الإنسان ويرجو فيه نتائج إيجابية لحوادث الدهر أو تقلباته حتى وإن كانت تلكم النتائج الإيجابية صعبة أو مستحيلة الحدوث. وعند آخرين: طاقة يودعها الله في قلوب البشر لتحثهم على تعمير الكون. أما عندي فالأمل قيمة إيمانية، ودافع وجداني يستقر بالنفس فيدفع صاحبها إلى العمل المتواصل والصبر والثبات، رغم ضخامة التحديات، وإن تكاثرت عليه الخصوم، وبدا مطمحه بعيد المنال، حتى يتحقق أمله أو يقضي أجلُه.

والأمل في الدنيا مرذول، إذا كان مرادفًا للرغبة في طول العمر وتأخير التوبة، وفيه يقول الإمام علي (رضي الله عنه): "من أطال الأمل أساء العمل" ولكن الأمل في غدٍ أفضل لأمة الإسلام وأوطان المسلمين من أخلاق المؤمن الصادق، شريطة أن يقترن الإيمان بالعمل مصداقًا لقوله تعالى: {وعد الهن الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا، يعبدونني لا يشركون بي شيئًا..) (النور في الآية 55).

والأمل من شيم الأنبياء والمصلحين، وهو خليق بالدعاة المعاصرين؛ إذ يسعى مغرضون كثيرون إلى تكريس فكرة اليأس وزرع القنوط في قلوب المؤمنين.

ويرتبط الأمل في سير الأنبياء بثقتهم في موعود الله وفي نصره ومعيته، فحياة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) كلها أمل يدعمه عمل، أو عمل يحدوه أمل، لقد عاش يبتغي أن يظهر الله دينه أو أن يهلك دونه، وفي أقسى لحظات الضيق والضعف كانت الآمال الكبار تراوده معتمدًا على ركن ركين، يستمد منه العون والعزيمة، ففي الهجرة والخندق تتجلى آمال النبوة في النصر والتمكين واضحة، لا تضعفها ضخامة التحديات، ولا ينال منها اتحاد الخصوم، ولا تحول دونها ضآلة الإمكانات وقلة الأنصار.

وفي يعقوب وموسى عليهما السلام أسوة، فَقَدْ فَقَدَ يعقوب ولديه، يوسف وأخاه، فلم يزل يطلبهما، ولم ييأس من رد الله إياهما عليه، فخاطب أبناءه: {يا بني اذهبوا فتحسَّسُوا من يوسف وأخيه ولا تيئسوا من روح الله، إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون} (يوسف: 87).

فالكافرون وحدهم هم الآيسون من رحمة الله!

أما موسى (عليه السلام) فسيرته من مبدئها وحتى منتهاها تأكيد لقوة الله الغالبة؛ إذ أنَّى لامرأة ضعيفة مع صغيرتها أن تحفظ رضيعًا من سلطان تعاونت كل مؤسساته على وأد كل رضيع يحتمل أن يهدد عرش الطاغوت، ولكن ها هي حكمة الله تأبى إلا أن يقوم فرعون ذاته على رعاية الوليد المقصود بالقتل من زبانية الحكم ورأس الطغيان إنها حكمة الله البالغة، أما موسى فمع ما كان يتملكه من خوف قبل أن يوحى إليه وبعد فإنه لم تضعف ثقته بمولاه تعالى، ولا توارى له أمل، فلما أدركه فرعون وجنوده عند البحر، قال أصحابه له: {إنا لمدركون}.. (قال: {كلا إن معي ربي سيهدين} (الشعراء: 62).

وفي قصة موسى والبحر ما يؤكد أن عمل المؤمنين ليس فيه نجاتهم وحسب وإنما فيه كذلك هلاك خصومهم، وفي سنن الله تعالى المشاهدة ما يقوى بنفوس المؤمنين الأمل، فبعد اشتداد الظلمة ينبثق نور الفجر الصادق، وما بعد اشتداد آلام المخاض إلا الفرح بالمولود الجديد.

يقول الشاعر:

اشتدي أزمة تنفرجي ... قد آذن ليلك بالبلج

قد ييأس المؤمن من تحقق مراده، ولكن بعد أن يستفرغ كامل جهده، وهنا تدرك المؤمن عناية الله القادر، فيستكمل قوته، ويعظِّم قدرته، ويرأب صدعه، ويلمّ شعثه، فيتحقق مراده ويبلغ أمله: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا، فنجى من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين} (يوسف: 110).

إن من سمات السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب من أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) أنهم "لا يتطيرون" فالتشاؤم والطيرة ليست من طباع المؤمنين، إنهما حيلة العاجزين وديدن الفاشلين.

ولئن كان الخوف والرجاء هما جناحي المؤمن لتحقيق غايته، فإن الخوف يدعو إلى الكفِّ عن كل إثم، وعمل كل صالح وخير، كما أن الرجاء يعني الأمل والأمل آنذاك من وسائط تحقيق الغاية طالما استصحبه العمل.

والحق أنه من غير أمل لا يستطيع الإنسانُ الحياة؛ لأن الأمل لدى أصحاب العزمات هو بداية كل شيء، وهو القوة الرافعة والدافعة إلى كل إنجاز، وهو ما يجعل هؤلاء يستصغرون التحديات، وتتعاظم في أعينهم الفرص رغم التهديدات.

وإنما تكون الرجولة بالصبر والمثابرة والعمل الدائب، ورغم ضخامة المعوقات فهناك إمداد المعنيات، ورغم وجود الآلام تبقى الآمال ممكنة، ورغم سوداوية بعض المشاهد فهناك النفوس المؤمنة والقلوب البيضاء النقية، ورغم قسوة الواقع؛ فالأمل في نصر الله قادم وقائم، قال تعالى: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة وتجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الأرض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} (القصص: 5).

ولقد بيَّن الإمام البنا (رحمه الله) حاجة الأمم الناهضة للأمل فقال في رسالته (نحو النور): (تحتاج الأمة الناهضة إلى الأمل الواسع الفسيح، وقد أمدَّ القرآنُ أممه بهذا الشعور بأسلوب يخرج من الأمة الميتة أمة كلها حياة وهمة وأمل وعزم، وحسبك أنه يجعل اليأس سبيلًا إلى الكفر، والقنوط من مظاهر الضلال).

وبالمقابل يرى الأستاذ البنا أن اليأس من مظاهر ضعف الأمة، وأنه يحول بين الدعاة والنجاح، يقول في "دعوتنا": (لسنا يائسين من أنفسنا، وإنا نؤمل خيرًا كثيرًا، ونعتقد أنه لا يحول بيننا وبين النجاح إلا هذا اليأس، فإذا قوي الأمل في نفوسنا فسنصل إلى خير كثير، وما بين طرفة عين وانتباهتها يغيِّر الله من حال إلى حال، ولن يظل الحائر حائرًا فإنما بعد الحيرة هدى، وبعد الفوضى استقرار، ولله الأمر من قبل ومن بعد).

ويخطُّ الأستاذ البنا للمصلحين طريق تحقيق الآمال فيقول في "إلى أي شيء ندعو الناس":

(إن تكوين الأمم وتربية الشعوب وتحقيق الآمال ومناصرة المبادئ تحتاج من الأمة التي تحاول هذا أو من الفئة التي تدعو إليه - على الأقل – قوة نفسية عظيمة تتمثل في عدة أمور: إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له، يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه والخديعة بغيره).

ومن الجليِّ البيِّن أن أمتنا ووطننا الحبيب الآن بحاجة أكثر من ذي قبل إلى صناعة الأمل في نفوس الكافة؛ أعني الأمل في حياة كريمة يغمرها الإيمان ويعمها الأمان، يطعم فيها الجائع ويؤمن فيها الخائف، ويكسى فيها العريان، وتسد معها حاجة المحروم، وينصف فيها المظلوم، ويؤخذ فيها على يد المخربين المجرمين.

والجميع مطالبون بالمساهمة الفعالة في تحقيق هذا الأمل، وتمكين تلك القيمة من النفوس، يتشارك في ذلك الواجب الدعاة والمعلمون والإعلاميون والمبدعون؛ الراعي والرعية، فكثيرون هم من يصدِّرون اليأس للأمة، ويقطعون عليها طريق البهجة والسرور. ومن خلال الأعمال الإبداعية "فنية وأدبية" وحال الدعاة قبل مقالهم، وتوجيهات الآباء والمربين يمكننا صناعة الأمل من طريق:

أولًا: تعزيز الإيمان الدافع إلى العمل، والرافض لليأس في نفوس الأمة.

ثانيًا: إبراز قدوات في شتى المجالات، تتحلى بروح متفائلة وتعيش الأمل، وتبذل من أجل استرجاع أمجاد الأمة.

ثالثًا: تعظيم المسؤولية الفردية والعمل الأهلي لمشاركة الحكومة في محاربة الفساد والأخذ على يد المسيء.

رابعًا: ربما يجدي رفع شعارات في حملات قومية أهلية تستلهم نفحات الطاعات، وحالات النفس الآملة المسارعة في عمل الخيرات، وبذلها للجميع، ومن تلك الشعارات:

تفاءلوا بالخير تجدوه.
خزائنه لا تنفد.
الاستضعاف يتبعه إمامة وتمكين.
ولسوف يعطيك ربك فترضى.
والله متمُّ نوره.

خامسًا: الإكثار من العمل الصالح {والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابًا وخير أملاً} (الكهف: 46)؛ ففي معية الكبير المتعال لابد أن يكبر الأمل ويعلو، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

------------------------
(*) كلية الآداب، جامعة المنوفية