• jQuery Image slider حفل تحضره الملائكة
  • jQuery Image slider الأخ النابـه المستشار عبد الله العقيل
  • jQuery Image slider يا منصف الأعلام ... إلى المستشار عبدالله العقيل
  • عربي
  • انجليزي
  • فرنساوى
  • أردى
النَّبيِّ "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" وحُسن تفعيل السُّنن الاجتماعية

د. علاء الدين محرم(*)

إن دقة القوانين التي تنظم حركة الشمس والقمر، والليل والنهار قد يسرت للناس معاشهم على الأرض، وبنفس الدقة؛ فإن الله تعالى قد نظم لهم قوانينَ وسننَ تحكم سلوكياتهم تسمى بـ"السُّنن الاجتماعية"، إنها قوانين تحدد النتائج المترتبة على الأفعال الاختيارية للبشر خيرًا أم شرًا، إقدامًا أم إحجامًا وهم خاضعون لهذه السُّنن كخضوع الشمس والقمر للقوانينَ الكونية. إن معرفة هذه السُّنن وفَهم طريقة عملها من أهم الأسباب التي يترتب عليها رقيُّ البشر أو تخلفهم، سعادتُهم أو شقاؤهم في الدنيا والآخرة.

1. فن تفعيل السُّنن:

ونعني به تهيئة المناخ لعمل سنَّة ما بإيجاد مقدمات هذه السُّنة من أجل استدعاء نتائجها، والتي ستعود بالنفع على الجهة التي تستخدم هذه السُّنة.

والقارئ لسيرة النَّبيِّ "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" يجد أنه "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" كان يحسن تفعيل هذه السُّنن من أجل قضية الهداية التي كانت همَّه الشاغل، وسنختار سنَّة التدافع لنرى كيف فعلها النَّبيُّ "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" لمحاربة الفساد وإقامة الحضارة الإسلامية الهادية، ليقتدي به المصلحون والدُّعاة إلى قيام الساعة.

- سنَّة التدافع:

شرع الإسلام التدافع، وهو حراك فكري اجتماعي بين الفرقاء، وهو ليس صراعًا، ففي الصراع "يصرع" طرفٌ الطرفَ الآخر. وبهذا تنتهي التعددية، والتعايش، والحوار، بينما التدافع حراك يعدل المواقف، ويعيد التوازن والعدل مع بقاء التعددية والحوار، لهذا؛ يرشدنا القرآن الكريم إلى اختيار أفضل وسائل التدافع، وتحري الإحسان في هذا التدافع: {... ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ...} (فصلت 34).

وسنَّة التدافع من سنن الرحمة.. رحمة الله بعباده.

قال تعالى: { وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} (البقرة 251).

فهذه السُّنة أنشأها الله (عزَّ وجلَّ) لمنع انتشار الفساد في الأرض، هذا الفساد الذي يصل إلى تهديم أماكن العبادة حتى الصوامع التي يتعبد فيها من اعتزل مخالطة الناس.

قال تعالى: {...وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ...} (الحج 40).

وفي هذه الآية؛ وعد من الله (عزَّ وجلَّ) لمن تدخل لدفع الباطل بالنصر والتأييد.. ومن العجيب أن أهل الباطل هم الذين يبدؤون تفعيل هذه السُّنة بتجاوز الحدود والطغيان؛ يبدو هذا واضحًا من الآيات السابقة لآية التدافع في سورة الحج.

"إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ.... (40)} (الحج: 38، 39، 40).

- كيف تنشأ سنَّة التدافع:

طبائع النفوس الفاسدة أنها لا تراعي مضرة غيرها، فإذا تعود الفاسدون أن يحققوا مصالحهم بلا ضرر، كرروا ذلك وانضم إليهم غيرهم ممن يبحثون عن إشباع الشهوات على حساب الناس؛ فيعم الفساد، وتسود شريعة الغاب. على الجانب الآخر؛ فإن المستضعفين الذين تعوَّدوا الصبر خوفًا من التعرض للأذى والبطش يكثر عددهم فيظاهر بعضهم بعضًا ويتحرك المصلحون بالوعظ والنصيحة، والحوار والجدال فإذا لم يتراجع المفسدون لجأ الناس للثورة والقتال.

لهذا؛ نجد في آيتي البقرة والحج أن المستضعفين لم يجدوا وسيلة للعودة إلى ديارهم أو الحفاظ على دور عبادتهم إلا بالقتال.

فالقرآن يعلِّمنا أن التدافع لا يعني بالضرورة استخدام العنف، ويأمرنا أن ندفع بالتي هي أحسن لأن الإكراه لا ينتج تعاونًا، إنما ينتج قهرًا وكراهية ونفاقًا. لكن الواقعية تقرر أنه قد لا يكون هناك مفرٌ من المدافعة بالقتال وهو ما حدث في مدافعة النَّبيِّ "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" لأهل الباطل في جزيرة العرب.

- الاختيار النَّبويُّ لصور المدافعة:

الدارس لسيرة النَّبيِّ "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" يجد أن أنماط المدافعة التي اختارها النَّبيُّ "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" كانت تختلف باختلاف الظروف والمراحل التي مرت بها الدعوة الإسلامية، لكنها أيضًا كانت تتميز بوجود بعض الثوابت.

2. الدفع بالتي هي أحسن:

في سورة الحجر، وبعد بيان هلاك الأمم التي كذبت رسلها وهذه سنَّة اجتماعية، نجد هذا التوجيه القرآني: " وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ" (الحجر 85).

فلكل أمة مرحلة إمهال، وهذه الآية نزلت في مرحلة إمهال أهل مكةَ وكان التوجيه القرآني للنَّبيِّ "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم": "فاصفح الصفح الجميل"، وهذه السياسة في غاية الأهمية لجذب العقلاء والصالحين من كتلة معارضي الحق، فالتدافع في هذه المرحلة كان تدافعًا فكريًا بطرح التوحيد بديلًا للوثنية، وطرح مبادئ المساواة بديلًا للاستغلال والعبودية، مع تجنب الصدام وكف اليد والاكتفاء بالتبليغ، فكان شعار المؤمنين " سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ" (القصص 55).

- تقديم القدوة السلوكية:

كانت أخلاق النَّبيِّ "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" من أهم أسباب تآلف الناس حوله "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم":

وقد رأيناه "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" في مكةَ يسعى مع رجل مظلوم أكل "أبو جهل" ماله حتى استرد له حقَّه، ثم رأيناه "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" في المدينة المنورة يعلِّم الناس أن العدل أساس الملك، وأن المبادئ فوق الأشخاص في غضبه من أسامة بن زيد لما جاء يشفع في المرأة المخزومية التي سرقت، وقال"صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"  قولته الشهيرة:

"أتشفع في حدٍّ من حدود الله يا أسامة؟ إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف فيهم تركوه وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحدَّ. وأيِّمُ الله "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها"".

3. تفعيل فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

كان النَّبيُّ "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" يعلم أصحابه أن السكوت عن الظلم يجلب النقمة الإلهية على كل الرعية، فقال "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم": "والذي نفسي بيده لتأخذنَّ على يد الظالم، ولتأطرنَّه على الحقِّ أطرًا أو ليوشكنَّ الله أن يعمكم بعذاب من عنده".

وقال "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم": "أيها الناس.. إن الله يقول لكم مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر من قبل أن تدعوني فلا أستجيب لكم، وتستغفروني فلا أغفر لكم، وتستنصروني فلا أنصركم".

وهكذا أصبح كل مسلم حارسًا على الفضيلة في محيطه، محاربًا للظلم، كاشفًا ومحاربًا لكل فساد.

4. تعظيم القدرات:

علمنا النَّبيُّ "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" أن نحسن الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله لتعظيم فعل هذه الأسباب، وتعلّمنا من القرآن فن تعبئة الطاقات وتعظيم القدرات في قوله تعالى: " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ" (الأنفال 65).

فالآية توضح أن ثلاثية الإيمان والصبر والفَهم "الفقه" تجعل المؤمن يتفوق على العشرة من الكافرين.

لهذا تعهَّد الَّنبيُّ "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" أصحابه منذ بداية الدعوة وحتى وفاته "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" بالتربية الإيمانية؛ ففي مرحلة الاستضعاف في مكةَ كان النَّبيُّ "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" يلتقي نقباء الصحابة في دار الأرقم يستمع إلى مشاكلهم ويرشدهم وينصح لهم، ويقرأ عليهم ما نزل من القرآن ويتدارسه معهم.

وكان يأمرهم بقيام الليل، والصبر على الأذى في سبيل الله.. هكذا كان المسلمون في تدريب يومي على ألوان الصبر جميعها.. الصبر على الطاعات، والصبر على البلاء.

عندما التقى الجمعان في غزوة بدر كان جيش المشركين ثلاثة أضعاف الجيش المسلم المتسلِّح بالصبر والإيمان. كان المسلمون يحملون هذا السلاح الذي لا قِبل للمشركين به، هكذا تحوَّل صبرهم ومعاناتهم في السابق إلى قوة ونصر.

في هذا السياق؛ نفهم لماذا غضب النَّبيُّ "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" لما قرأ في طلب خباب بن الأرت "ألا تستنصر لنا؟" جزعًا .. رغم شدة التعذيب، وفي هذا السياق نرى حكمة الله (عزَّ وجلَّ) في السماح بحصار المسلمين في شعب أبي طالب لمدة ثلاثة أعوام كاملة من الألم والجوع، فلم يجدوا إلا أوراق الشجر يتقوتون بها حتى تقرصت أشداقهم، إن هذا الحصار لم يكن إلا دورة تدريبية لتعظيم قدرات المؤمنين على الصبر، دورة شارك الكفار في تنفيذها، وتهيئة الأجواء لنجاحها فما من أحد كان مسجونًا في هذا الحصار إلا وصار أميرًا على مصر من الأمصار.

- الضغط على الأعداء:

أرسل النَّبيُّ "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" السرايا لقطع طريق التجارة إلى الشام على أهل مكةَ؛ ما شكَّل ضغطًا اقتصاديًا على قريش التي كانت تعتمد على التجارة، كانت هذه الطريقة تشكِّل ورقة ضغط مستمر على قريش التي حاربت الإسلام بعد الهجرة؛ ما أرغمها على عقد صلح الحديبية مع النَّبيِّ "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، وبموجب هذا الصلح قامت هدنة حقق المسلمون من خلالها تحييد أقوى الخصوم، فأحسنوا في فترة الهدنة تأديب الخصوم الآخرين من يهود خيبر وغيرهم، وتحقَّق جو من السلام الذي منح الدعاة حرية الحركة في أنحاء الجزيرة فدخل في الإسلام بعد عام الحديبية أكثر ممن دخل في العشرين عامًا الماضية. هكذا؛ تعاظمت قوة المسلمين العددية بشكل أحبط في نفوس أهل مكةَ مجرد التفكير في مناوأة المسلمين أو مقاومة جيشهم الذي فتح مكةَ.

- امتلاك زمام المبادرة:

في الصراع التدافعي بين النَّبيِّ "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" ومشركي الجزيرة نجد أن النَّبيَّ"صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" كان يمتلك دائمًا زمام المبادرة، وكان"صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" يفاجئ أعداءه بخطوة منتصرة كلما أوشكوا أن يحاصروا الدعوة .. فكانت الهجرة انطلاقًا من الضعف إلى القوة، وكان يفرض على المحاربين له طريقة الحرب بما يتناسب وإمكاناته وما يحقق لجيشه النصر؛ يظهر هذا واضحًا في طريقة اصطفاف جيش المسلمين في بدر وامتلاك مصادر المياه وفرض نمط القتال على المشركين، حدث الموقف نفسه في أُحد والخندق. وكان للمباغتة في فتح مكةَ الأثرُ في قتل إرادة القتال عند أهلها.

- تنشيط وعي الأمة بهذه السُّنة:

أمة الإسلام تعيش حالة من التدافع بشكل عنيف منذ وجد هذا التدافع بين قوى الحق والباطل داخل الوطن الواحد،وأيضًا بين الوطن وقوى الفساد في العالم المحيط التي تناوئ المشروع الحضاري الإسلامي. وقد أوضح القرآن هذا المعنى ليظل الاستنفار في كيان الأمة: {...وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا...} (البقرة 217).

إن من وسائل أعداء الأمة التبشير بعالمٍ خالٍ من الصراع والتنادي بتمازج الأديان، ووحدة الثقافة الإنسانية للقضاء على وعي الأمة بضرورة تفعيل سنَّة التدافع وأنها ماضيةٌ لا تتخلف.

ومن الوسائل الفكرية أيضًا استخدام الإعلام في نشر برامج وأفلام، ووسائل ترفيه يستهلكها المسلم طواعية دون استنفار لمناعته التدافعية ليصبح ترساً يدور في ماكينة الهيمنة مسلوب الإرادة مستنزف القدرات.

- نقطة انطلاق لنفير حضاري:

اتباع منهج النَّبيِّ "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" في التدافع يكون بزيادة الإيمان وتنميته عند عموم الأمة ليتعاظم عند المسلمين الدافع للعمل الصالح، ولتتحول التحديات عند صخرة الإيمان إلى محفزات للانطلاق الحضاري. فمن أخطاء الأمة أن كثيرًا من التجارب التدافعية والثورية السابقة تحطمت على صخور المشاكل وتشتت تيارها؛ وهذا ما نتمنى أن تتنبه له الأمة في تجاربها التدافعية الحالية.

------------------------------
(*) طبيب وداعية إسلامي