• jQuery Image slider حفل تحضره الملائكة
  • jQuery Image slider الأخ النابـه المستشار عبد الله العقيل
  • jQuery Image slider يا منصف الأعلام ... إلى المستشار عبدالله العقيل
  • عربي
  • انجليزي
  • فرنساوى
  • أردى
وعى الحضارة الإسلامية بقيمة مجاهدة الباطل

د. خالد فهمي(*)

تدور أصول الدلالات الماثلة في لفظة "الحق" حول معاني الصحة والإحكام والاستقامة على ما تقرره المعجمية العربية.. هذا المعنى هو الذي عليه الأمر في التصور الإسلامي؛ إذ "الحق" هو كل ما ضد الباطل.. وهو الحق سبحانه.

ومن أجل ذلك؛ صح أن نقرر أن "الحق" هو مقصد الإسلام الأسمى الذي يسعى إلى تحقيقه في الوجود الإنساني.

وهذا القول من جانبنا مدعوم بما جاء في الذكر الحكيم، فقد تكرر فيه وتقرر أن "الحق" هو الله تعالى الذي يوجد الموجودات بحسب ما تقتضيه الحكمة، ومن ثم فإن كل ما فعله الله تعالى يسمى حقًا، والحق هو الاعتقاد في الشيء بما يطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه، والحق هو الواجب، والحق هو الحقيقة الثابتة الوجود، ومن أجل ذلك فإن الانحياز للحق هو انحياز لله تعالى وانحياز للعقيدة السليمة، وانحياز للواجب، وانحياز للحقيقة الثابتة الصريحة.

ويكفي في هذا السياق أن يقرر المولى سبحانه {ويريد الله أن يحق الحق بكلماته.. } (الأنفال: 8) لكي يصير الحق أنشودة الإسلام الدائمة على فم الزمان.

الانتصار للحق وتجلياته الفكرية في الحضارة الإسلامية:

لقد كان شيوع مبدأ الانتصار للحق والانحياز له وإعلانه في الذكر الحكيم بصور متنوعة لها كثير منها منسوب إلى الله تعالى، وكان هذا سببًا مباشرًا في انتشار هذا المبدأ في الحياة الفكرية عند المسلمين، واتخذ هذا الانتشار أشكالاً عامة وخاصة. لقد كان قوله تعالى: {ويحق الله الحق بكلماته} (يونس: 82) وقوله تعالى: {ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته} (الشورى: 24) سببًا مباشرًا مع آيات أخرى في ظهور اتجاهات فكرية كاملة في غير مجال معرفي في الحضارة الإسلامية ترفع "الانتصار" عنوانًا لكثير من الكتابات العلمية، ولاسيما أن المفسرين يقررون أن قوله تعالى: {يحق الحق بكلماته} يعني: ينصر دينه بوعده أو يصدق رسوله بوحيه، على ما جاء في "النكت والعيون للماوردي" (3/ 587). وظهور لفظة "النصر" في التفسير في صورة الفعل المتعدي: ينصر، دليل يدعم هذا الأثر.

وقد تنوعت صور خدمة الانتصار للحق فكريًا في هذه الحضارة العظيمة في مقابل مجاهدة الباطل والوقوف في وجهه، فكان منها ما توجه به أصحابه لنصرة العقيدة السليمة في مواجهة انحرافات الفرق المختلفة على ما يظهر من الكتب التي تحمل عنوان الانتصار في الرد على أهل الزيغ والانحراف، من مثل:

• الانتصار في الرد على القدرية الأشرار، لابن أبي الخير اليمني، المتوفى سنة 558هـ.

• الانتصارات الإسلامية في دفع شبه النصرانية، للطوفي، المتوفى سنة 716 هـ.

وربما تخصص الأمر ليدور حول الانتصار للقرآن الكريم باعتباره المصدر الأعلى لهذه الحضارة، وفي هذا السياق يظهر كتاب أبي بكر الباقلاني: "الانتصار للقرآن"، علامة مضيئة لأنه يسعى إلى الترجمة العملية لحفظ الذكر الحكيم، والكشف عن هيمنة الكتاب العزيز على غيره من الكتب السابقة، وإعلانه عن إعجازه، وخرقه للعادة، يقول الباقلاني (1/11): إن "معرفة صواب القول في هذه.. مما تعم الحاجة إليه؛ إذا كان أصل الدين وأسه، وكان ما شهد الكتاب ببطلانه وجب إلغاؤه واطراحه، وما أيّده، ودل على صحته لزم الإذعان له وإثباته".

ومن هنا، فإن ظهور المؤلفات التي تعنى بالانتصار للكتاب العزيز هي في أصل النظر إليها أعمدة للانتصار للحق بكل معانيه؛ لأن الكتاب العزيز هو عمدة الحق الذي يكشف عنه ويؤسسه.

ومن العجيب أن يستفيض الفكر في الحضارة الإسلامية في هذا الباب لنرى مؤلفات تبتغي الانتصار للحق في شتى صوره وعلى اختلاف مجالاته، دفاعًا عن أهل الحديث ومذاهب الفقهاء المعتمدة، حتى وصل الأمر إلى الدفاع عن بعض ما لحق أهل العلوم المختلفة من الأعلام من ظلم وتطاول، على ما نرى في الانتصار لسيبويه، والانتصار للأشعري وغير ذلك مما هو معروف في المكتبة العربية التراثية.

إن شيوع هذا المنحى في تاريخ الفكر في هذه الحضارة يعكس مجموعة من العلامات المهمة، من مثل:

أولاً. الاستجابة للتأثير الإيجابي للإسلام الذي أسس لأصل نصرة الحق والانحياز إليه، وجعله ركنًا من أركان الالتزام به.

ثانيًا. تجاوز مفهوم "الانتصار" في الفكر الغربي الذي ظهرت بعض اتجاهاته في الفلسفة اليونانية، وأقصد بذلك اتجاهات الفلسفة السوفسطائية التي أشاعت جوًا بغيضًا من المغالطات وانحيازًا للمهارات العقلية في بناء الأمر وهدمه هو نفسه في الوقت الواحد.. إذ بدا الانتصار في الفكر الإسلامي متوجهًا نحو الاصطفاف خلف الحق، وما جاء من الله تعالى إلى الأرض، واعتمد على الدليل.

ثالثًا. تنوع صور الانتصار للحق في هذه الحضارة العظيمة، إذ ظهرت صور الانتصار للأفكار والاعتقادات، وتصدت للدفاع عن الحق في مواجهة أهل الشبهات، وظهرت مؤلفات تنتصر لمن ظلم من العلماء، ولما ظلم من مسائل العلم في غير ما مجال معرفي.

مصادر الانتصار للحق في الفكر الإسلامي:

إن استقراء قضية الانتصار للحق في الفكر الإسلامي يفتح الباب أمام تأمل مسألة المصادر التي أسست لهذا المفهوم، واستمد منها وجوده ومشروعيته حتى صارت الأمة بفضل الاستمساك به معروفة به، ومثل قيامها سمة من سماتها العامة الدائمة؛ ذلك أن الانتصار للحق يمثل واحدًا من الثوابت الإسلامية لا يلحقه بحكم انتمائه إليها تغير، وقد جاء هذا الثبات في حقيقة الأمر من ثبات أهم المصادر التي أسست له، ألا هو الذكر الحكيم.

ومن هنا، فإن فحص مصادر الانتصار للحق أمر مهم على طريق تقدير قيمته ووظائفه في الوعي الإسلامي: وتتمثل مصادره فيما يلي:

أولاً: الكتاب العزيز:

لقد جاء استعمال لفظة "الحق" في الذكر الحكيم في مواضع كثيرة جدًا في نحو مئتين وخمسين موضوعًا من موضوعات تصريفية موزعة على الأفعال والأسماء، وهو ما يعني ابتداء أهمية الحق والاعتداد به في تكوين الشخصية المسلمة، واستعمال القرآن للفظة "الحق" دال على دعوة المسلمين إلى الوثوق بالله تعالى، وشريعته، ورسله. وقد جاء التعبير عنه أحيانًا بعبارات من مثل: {إن تنصروا الله ينصركم} (محمد: 7)، والمعنى المذكور في التفسير هو إن تنصروا دين الله وتنصروا نبي الله ينصركم.

ثانيًا: السنة النبوية:

وهي سجل حافل وعملي لجهاده (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) على طريق نصرة الحق، والانتصار لقيم الوحي، ومبادئ السماء.

ومن الثابت في سنته (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) أنه كان دائم الإعلان عن مطلق استجابته لكل ما يستهدف نصرة الحق، وتحقيق العدل، وإنصاف المظلومين.

وفي هذا السياق، يتضح أن السنة ذمّت الانتصار للقوم على غير الحق، فقد جاء في السنة: "من نصر قومه على غير حق فهو كالبعير" (على ما جاء عند أبي داود، في كتاب الأدب من سننه).

كما امتدحت السنة من ينتصر للحق، وبيّنت أن الدخول في الإيمان والبيعة عليه تقتضي إعلان الانتصار لله ورسوله (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم)، ففي مسند أحمد، بايع الصحابة النبي (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم)، فيما علمهم فقال: "على أن تنصروني".

ثالثًا: واقع الأمة على امتداد تاريخها:

إن من المصادر المهمة التي تحتفظ لنا بقدر كبير من أدلة الانتصار للحق المصدر الواقعي العملي، وهو ما قامت به أجيال الأمة على امتداد تاريخها.. والمصدر الواقعي العملي مصدر مهم من مصادر حفظ الشريعة في تطبيقاتها، وهو مصدر مهم من مصادر حفظ نصوص الدين مطبقة على أرض الواقع، وقد ظهر في الأجيال المتعاقبة أمثلة متضافرة لهذا الأصل في الأمة، فمنذ اللحظة التي لحق فيها رسول الله (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) بربه بعد أن أدى الأمانة وبلغ الرسالة وترك الأمة على المحجة البيضاء والطريق الواضحة قام خلفاؤه بحياطة الحق والانتصار له، فانتفض أبو بكر في مواجهة إرادة الانتقاص منه، وجاهد حتى قمع الفتنة، وقام عمر فنشر الحق في الأرض، ومهّد بالعدل طرقاتها، واستمرت الأمة ممثلة في أجيالها المتعاقبة منتصرة للحق، ولم يخل زمان من طائفة ظاهرة على الحق، مستمسكة به منافحة عنه في كل بقعة من بقاع هذا العالم إلى يوم الناس هذا.

رابعًا: منجز الفكر الإنساني:

لقد فتحت الثقافة الإسلامية أبوابها واستقبلت منجز الأقوام من مختلف الثقافات، ونظرت فيه ونقلته إلى مجالها، اعترافًا به، وتقديرًا لأهله، فكان مصدرًا من مصادر الانتصار للحق في حضارة الإسلام تعلن به أن الحق واحد، وأن الفطرة الإنسانية السليمة تأبى إلا الانتصار لهذا الحق، فقد جاء في كتاب ابن رشد فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال (ص 28): "يجب علينا إن ألفينا لمن تقدم نظرًا في الموجودات واعتبارًا، بحسب ما اقتضته شرائط البرهان أن ننظر في الذي قالوه من ذلك، وما أثبتوه في كتبهم، فما كان منها موافقًا للحق قبلناه منهم وسررنا به، وشكرناهم عليه. إن هذه الروح المنفتحة تدرك أنه في سبيل نصرة الحق، فإن من الضروري تضافر الجهود الثقافية المختلفة".

وظائف ومقاصد:

إن قضية الانتصار للحق والاستمساك به، من شأنها أن تحقق مقاصد كثيرة، وتخدم أدوارًا مختلفة في الوجود، من مثل:

أولاً. تحقيق استقامة الحياة، وتفرعها لعمران الوجود؛ ذلك أن الانتصار للحق يمنع مادة فساد العالم، بما يشيعه من أجواء الاستقامة، وهو يعين على تفرغ الإنسانية لترقي الحياة، وتمدد الإعمار، وتطوير المنجز الحضاري.

ثانيًا. إقامة الدين وانتشاره؛ ذلك أن الانتصار للحق يعني خدمته ببيانه، ودفع الشبهات التي تثار في وجهه، وصولاً إلى تثبيت دعائمه، ونصرة أهله، والعلماء به.

ثالثًا. استجلاب نصرة الله تعالى للأمة، وتعريضها لرحمته سبحانه، فقد استقر في الذكر الحكيم الربط الدائم بين تحقيق نصرة الله تعالى للأمة، وانتصارها لقيم الحق ومبادئه، يقول تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}.. {محمد: 7} ويقول (ع): {ولينصرن الله من ينصره} (الحج: 40).

رابعًا. تحقيق الانخراط في زمرة المؤمنين الموصوفين بالفلاح، وهو ما يعني أن الانتصار للحق يحقق للمسلم النجاة من أوسع طرقها، وهي النجاة المشفوعة بكل أوصاف المدح، يقول تعالى: {فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} (الأعراف: 157). وهذه من أرجى الآيات التي تحمل على ضرورة الانتصار لله تعالى ولرسوله (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) وللحق الذي جاء به من عنده سبحانه.

خامسًا. شيوع محددات الأمل ونشر ثقافة التفاؤل: إن الانتصار للحق يعني أن الأمة تملك محددات الأمل التي تعينها على تجاوز الإحباط، وامتلاك ثقافة التفاؤل التي تساعدها على تخطى عقبات الطريق، ومشكلات الواقع الثقيل، ومحنه القاسية؛ لأنها تؤمن ساعتها أن أبناءها سيؤول الأمر بهم إلى الانحياز إلى الحق، مما يخلق نوع اطمئنان وسلام اجتماعي.

سادسًا. تقويم انحرافات الحياة: إن جزءًا من الوظائف التي يقوم بها الانتصار للحق يكمن في التعرض لما يمكن أن يمثل انحرافات في أي مجال من مجالات الحياة الفكرية والحركية.

وقد تجلى هذا المقصد في المنجز العلمي الذي تصدى فيه العلماء في الحضارة الإسلامية لتصحيح خلل الأفكار التي وقعت لدى عالم أو لدى طائفة في ميدان من ميادين المعرفة، كما تجلى هذا المقصد في ظهور جماعات وحركات إصلاحية على امتداد تاريخ هذه الحضارة.

وقد كان ذلك استجابة للأمر الشرعي المستفيض بإنكار المنكر والأمر بالمعروف، وهو الترجمة الفعلية لمقررات ما سميناه هنا "الانتصار للحق".

سابعًا. توافر أسس تجديد الأمة وإصلاحها ذاتيًا؛ ذلك أن قيم الانتصار للحق تخلق شعورًا وواقعًا بتوافر أسس تجديد الأمة إذا أدركها الضعف، تعين على إصلاحها بمحددات ذاتية داخلية.

ثامنًا. دعم المسؤولية الأخلاقية للفرد والمجتمع: إن الانتصار للحق يمثل قيمة الالتزام الأخلاقي بمنظومة الإسلام تشريعًا وعبادة وأخلاقًا؛ لأن استمساك الناس بالحق وانتصارهم له يعني تكوينهم عقديًا وعباديًا وأخلاقيًا تكوينًا مستقيمًا صلبًا.

تاسعًا. تحفيز أصحاب الحق في مواجهة الباطل وأهله: إننا في الحقيقة أمام صورة إيمانية لنظام من الأفكار يقرر أن الوعي بالإسلام في باب الانتصار للحق لا يقف عند حدود الإغاثة بعد وقوع المنكر، وإنما يتسع ليمنع من وقوع المنكر أصلاً ساعة يقرر الانحياز إلى الحق، ويستمسك به، وهو ما حمل الباحثين الغربيين على أن يقرروا أن هناك شيئًا مميزًا فريدًا بخصوص الانتصار للحق في مواجهة المنكر والباطل!

صحيح أن النصوص الشريفة تصور الاستمساك بالحق وكأنه استمساك بالجمر، لكنه وصف محفز ومادح لأصحابه وهو ما يعني أن "الجمرة" الممسك بها صاحب الحق تتحول فيما يؤول إليه الأمر إلى "زهرة" آمن من آمن وكفر من كفر.

------------------------------
(*) أستاذ بكلية الآداب - جامعة المنوفية