• jQuery Image slider حفل تحضره الملائكة
  • jQuery Image slider الأخ النابـه المستشار عبد الله العقيل
  • jQuery Image slider يا منصف الأعلام ... إلى المستشار عبدالله العقيل
  • عربي
  • انجليزي
  • فرنساوى
  • أردى
« حوارات

أم نضال".. جامعة التربية على الشهادة

حوار- د. رشاد لاشين

في فلسطين الحبيبة وعلى أرض غزة المباركة، وبالتحديد في حي "الشجاعية"، وحينما تدخل بيت أمنا الفاضلة (أم نضال) تفاجأ منذ اللحظة الأولى أنك لست في بيت عادي، بل في جامعة عريقة؛ وفود تدخل، ووفود تخرج؛ فعند دخولنا وجدنا وفدًا على رأسه الدكتور باسم نعيم وزير الصحة الفلسطيني، وحتى أثناء حوارنا معها جاء وفد نسائي لزيارتها؛ مما اضطرَّنا إلى الاختصار في الحوار؛ حفاظًا على وقتها ولإفساح المجال لغيرنا.

حينما تجلس مع أم نضال تتلقَّى دروسًا عظيمةً على يد أستاذة قديرة جديرة بكل احترام وتقدير؛ فدروسها وكلماتها ليست دروسًا نظرية أكاديمية، بل دروس عملية واقعية، تفوح بعبير الصدق والإخلاص؛ كل كلمة تهزُّ كيانك من واقع التضحية والعطاء؛ كلمات غالية الثمن؛ ثمنها ثلاثةٌ من أبناء وفلذة كبد أمنا الغالية أم نضال.

"جامعة التربية على الاستشهاد"، أو "خنساء العصر" كما يسميها البعض، وإن كنت أرى بلا مغالاة أنها- نحسبها كذلك ولا نزكيها على الله-  فاقت الخنساء الأولى؛ فالخنساء الأولى بعثت أبناءها لقتالٍ غير معروفةٍ نتيجته، قد يعودون أو يستشهدون، أما خنساؤنا اليوم فقد تمنطق ابنها بحزام ناسف في قتال نتيجته معروفة ومحتومة، فما أروعَها من أمٍّ حريصةٍ على أمتها وقضيتها!!.

قال لي أحد المرافقين مازحًا: لا تقلِّب المواجع على أمنا أم نضال، فردَّت هي بسرعة وبتعجُّب: كيف تقول ذلك؟! هذه قضيتنا، وإذا كنا نخاف من المواجع كان الأوْلى أن لا نقدِم على ما أقدمنا عليه؛ تقصد تضحيتها بأبنائها في سبيل القضية، وحينما سألتها عن بعض ذكرياتها مع أبنائها الشهداء، وكان بجوارنا ابنها الرابع "مؤمن" قال صديقي- بعد أن رأى بطولتها- مازحًا أيضًا: أرى أن تنتظر حتى يستشهد مؤمن فتحدثك الحَاجَّة عن الأربعة معًا، فقالت: كلنا فداءٌ لقضيتنا.

تجد فيها روحَ الشموخ والجدارة والصبر في جوٍّ من الربانية والرضا والتسليم بأمر الله تعالى.. أثناء الحوار انقطعت الكهرباء فتعاملت مع الأمر بروحٍ عاليةٍ تتغلَّب على كل المشكلات الطارئة بلا ضجر، فأحضرت الشموع، وأكملنا حوارنا من جديد.

  * دخلنا إلى الموضوع مباشرةً.. الكثيرون يتساءلون: كيف تربي الأم الفلسطينية أبناءها وتعدُّهم للجهاد والشهادة؟!.

** طريقة التربية تتغير من مكان لآخر ومن ظروف لأخرى، ولكن يبقى الأصل والأساس هو التربية على الإسلام وتنشئة الطفل منذ نعومة أظفاره على الارتباط بالله والارتباط برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن تكون الأم أولاً قدوةً لأبنائها، وتغرس فيهم الإسلام بمفهومه الشامل؛ فالإسلام ليس عبادةً فقط، بل الإسلام هو الحياة بكل جوانبها، والجهاد جزءٌ لا يتجزَّأ من العقيدة الإسلامية؛ فكما نشجِّعهم على الصلاة وكل أمور الإسلام التعبدية نشجِّعهم على الجهاد، ونغرس فيهم أنه جزءٌ لا يتجزَّأ من عقيدة المسلم.

وفي واقعنا الفلسطيني العامل الرئيسي والفعَّال الذي يساعدنا في تربية أبنائنا هو ارتقاء الشهداء، وهذا ما مارسناه عمليًّا؛ فارتقاء الشهيد يفجِّر معانيَ وطاقاتٍ هائلةً في نفوس الجميع بمن فيهم الأطفال الصغار، ويغيِّر الأحوالَ تغييرًا كبيرًا؛ فكثير من الشباب الذين كانوا بعيدين عن مبادئ الإسلام تغيَّر حالهم بعد ارتقاء الشهداء؛ لذلك ارتقاء الشهداء أكبر عامل من عوامل التربية عندنا؛ فالشهيد بالفعل يُحيي مَن خلفه.

المسجد والمقاومة

* هذا بالنسبة لدور الأم فهل هناك جهاتٌ أخرى تساعد البيت في تربية الطفل على الجهاد وحب الشهادة؟

** المساجد عندنا تقوم بدور كبير وفعَّال في تربية الأطفال والشباب، والإقبال عليها كبير بفضل الله تعالى؛ فبعض المساجد الآن لا تتسع للأطفال، حتى إن بنات ابني ذهبْن للمسجد المجاور لنا فلم يجدن مكانًا، واضطررن إلى الذهاب لمسجد آخر، وكذلك الانضمام للفصائل المجاهدة.. فالأطفال والشباب لديهم طاقة وحيوية، والانضمام للفصائل يستوعب هذه الطاقات ويلبِّي طموحات الشباب في المقاومة والجهاد، وتحقيق الحلم العظيم وهو الشهادة في سبيل الله تعالى، والتربية في الفصائل المجاهدة ليست تربيةً جهاديةً فقط، بل تربية بكل ما تحمل كلمة "تربية" من معنى؛ فمثلاً في حركة حماس لا بد أن يتربَّى الإنسان ستة أشهر على الأقل في المسجد قبل أن يكلَّف بأي عمل من الأعمال.

أطفال فلسطين في طليعة المقاومين

* الجهاد والشهادة يحتاجان إلى شجاعة وإقدام، والطفل بطبيعته يخاف، فماذا تفعلون لتربيته على قهر هذا الخوف؟

** الخوف شيء فطري في الإنسان، ولكن هناك شيء مكتَسَب يأتي من البيئة التي يعيش فيها الإنسان ويتأثَّر بما حوله من عوامل؛ فلقد انتزع الخوف منَّا ومن أطفالنا بفعل الشهداء، وأصبح أطفالنا بفضل الله عمالقةً؛ لا يهابون شيئًا.

من الطبيعي في البداية أن يخاف الطفل من القصف والدمار، ولكن حينما يفهم أن هذا وراءه أمل وجنة ورضوان من الله، يتغيَّر الأمر ويتبدَّد الخوف؛ فالذي ينظر بنظرة الدنيا يخاف، حتى الكبار يخافون، أما الذي ينظر بنظرة الآخرة وينظر لِمَا عند الله تعالى فلا يخاف أبدًا؛ لذلك فالبعيدون عن الإسلام يخافون خوفًا شديدًا.

ونحن نحرص على إعطاء أطفالنا هذه المفاهيم التربوية؛ لذلك فأبناؤنا لا يخافون بتاتًا من أي شيء، وهذا سلوك مكتسَب جاء من ظروف البيئة التي فُرضت علينا، ومن غرْس المفاهيم التي نحرص عليها؛ لذا فأطفالنا غير أطفال العالم الآخرين؛ حينما يُطلَق صاروخٌ يفرحون، وينتظرون الصاروخ الثاني؛ أما اليهود فيختبئون في الملاجئ.

الشباب الفلسطيني يتصدى للاحتلال

* إقبال أطفال فلسطين على مقاومة العدو والتصدِّي للدبابات والرصاص.. هل كل هذا يأتي بوازع منهم أم بدفع وتشجيع من الأم والأب؟!

** عندنا الأمران معًا؛ كثير من الأطفال يخرج بوازع ذاتي وحماسة داخلية قد تفوق البيت في كثير من الأحيان، ومن الأطفال من يخرج ويخاطر حتى مع تحذير البيت، ومن الشباب من يحتاج إلى الدفع والتشجيع من الأمهات والآباء، ولكنَّ الأغلب عندنا أن تجد الأطفال مندفعين بشكل جنوني، ونحن نعاني من مشكلة تهافت الأطفال على المقاومة بشكل كبير؛ فأثناء الاجتياحات يتضايق الشباب المجاهدون من الأطفال الذين يلاحقونهم؛ لأنهم يعوقون عملهم أحيانًا؛ فعلى سبيل المثال قد تدخل دبابة وأحد المجاهدين ينتظر عبورها فوق لغم مزروع ويضع يده على المفجر فيفاجأ بأن الأطفال الشجعان قد ارتقوا فوق الدبابة بلا أدنى خوف، فيتحسَّر المجاهد ألمًا لضياع فرصة تفجير الدبابة بسبب الأطفال، وكذلك عند تفجير السيارات بالصواريخ الصهيونية يهرع الأطفال سريعًا إلى المكان وكأنه عرس أو عيد بالنسبة لهم، حتى إن المسعفين يشتكون أحيانًا من إعاقة الأطفال لهم في عملية الإسعاف، حتى قال أحد المسعفين مازحًا حينما تجمَّع عليه عدد كبير من الأطفال فلم يتمكن من القيام بواجبه بسببهم قال: ما لهؤلاء الأطفال يحبون الموت ويتمنونه هكذا؟!.. هيا نفجّرهم بقنبلة ونريحهم ونستريح منهم حتى نستطيع القيام بعملنا!!.

* وما هي السنّ التي يُسمح فيها للطفل بالخروج لخط المواجهة مع العدو؟

** لا يوجد سن محددة، ولكنك تفاجأ بأن الأطفال عندنا في سن مبكرة جدًّا مقبلون على مواجهة العدو؛ أصغر ولد عندي "رواد" نفَّذ أول عملية وعمره 14 سنة حينما رمى قنبلةً وأصاب جنديًّا يهوديًّا، وقد استُشهد وعمره 17 سنةً، وكذلك ابن ابني اسمه "قسام" من سن 3 سنوات يطلق النار ويضحك ويبتهج أثناء ذلك؛ وسبحان الله.. يحاكي الأطفال كل أعمال المقاومة.

وعند ذلك قلت لها مازحًا: هذه مقاومة بالوراثة؛ يبدو أن أطفالكم يولدون وهم يحملون جينات وراثية تدفعهم للمقاومة!!.

ألعاب فلسطينية!!

* تشغلكم القضية الكبرى قضية تحرير الوطن ودحر الاحتلال، ولكن الطفولة لها احتياجاتها، وكما يقول علماء التربية: إن الطفولة تغذية ونوم ولعب وتعلم، فما واقع الألعاب عند الطفل الفلسطيني؟!

** الترفيه هو البندقية والقصف والتفجير، هذه هي الألعاب المفضلة لأبنائنا؛ فالأهل يحرصون قدر الإمكان على توفير الألعاب، ولكن الطفل هو الذي يفرض علينا هذا النمط من اللعب، ومن النادر أن تجد أنماطًا أخرى من اللعب غير ذلك بالنسبة للذكور؛ أما البنات فيلعبْن بالعرائس، ويُعدِدْن أنفسهن كي يكنَّ أمهات المجاهدين والأبطال والاستشهاديين؛ بل إنك لتتعجَّب حينما أخبرك أن البنات الشابَّات عندنا مندفعات بشكل جنوني للعمليات العسكرية!!.

* وهل تمدّكم دول عربية وإسلامية بألعابٍ لأطفالكم؟!

في البداية استغربت أم نضال سؤالي هذا؛ فأعدت السؤال باستفاضة أكثر فقلت لها: عندما حدثت مأساة "بحر البقر" مثلاً كان كثيرٌ من دول العالم يحرص على توفير ألعاب لأطفال بحر البقر كنوعٍ من التعاطف أو الرعاية، ومن حق الطفل أن يلعب؛ لأن اللعب شيء أساسي وضروري ومهمّ لكل طفل؛ فهل حرصت إحدى هذه الدول على رعاية أطفالكم بتوفير ألعاب لهم كي يعيشوا طفولتهم؟!

** لم أسمع عن هذا من قبل، ولم يخبرني أحد بأن هذا حدث، وأطفالنا غير أطفال العالم؛ فهناك أوضاع غير مستقرة، وأطفالنا ما بين أبناء شهداء وما بين مصابين وأبناء مصابين، بل ومنهم عدد كبير في الأَسْر، ويا ليت العالم يقف معنا لتحرير أطفالنا الأسرى أولاً، ثم نوفِّر لهم اللعب ليعيشوا طفولتهم ثانيًا.

ومع ذلك نحن نحرص قدر الإمكان عند زيارتنا لأبناء الشهداء أن نأخذ لهم الألعاب كجانبٍ من الرعاية الاجتماعية التي نقوم بها على مستوانا الداخلي، أما من الخارج فلم أسمع أن أحدًا من الدول وفَّر الألعاب لأطفال فلسطين.

* ما هي المشكلات التي تواجه الأم الفلسطينية تحديدًا في تربية أولادها؟!

** هناك العديد من المشكلات التي تواجه الأم الفلسطينية، ومنها على سبيل المثال:

الواقع غير المستقر في ظل الاجتياحات والقصف والقتل والدمار وتجريف الزروع وهدم البيوت، وهذا ولَّد مشكلات كثيرة، ولا يوجد أي نوع من الاستقرار الذي يحتاجه الطفل الناشئ؛ فالحياة غير المستقرة قد تصيب الشباب بالاضطراب؛ فنسبةٌ منهم قد تصاب بالمشكلات النفسية، مثل موجة من الخوف والفزع، ونسبة منهم تصاب بالعنف والميول العدوانية وكثير من المشكلات، والحمد لله أننا نتغلَّب على هذه المشكلات بالرعاية والتربية والتوجيه والاحتضان، والإنسان صاحب المبدأ يألف المشكلات ويتكيَّف معها بمرور الوقت طالما أنه يعمل لرسالة عظيمة.

ومن المشكلات أيضًا: البطالة والفقر؛ فكثير من الأسر لا تجد حتى "الشيكل" لتقدمه لأبنائها، ناهيك عن الأكل والملابس، وتصبح الألعاب عند كثير من الأسر في ظل هذا الحصار وهذا الواقع الصعب نوعًا من الترف، ولك أن تعرف أن 80% من الشعب الفلسطيني تحت خط الفقر، وهذا ينعكس على التربية التي تحتاج إلى الإنفاق في جزءٍ كبيرٍ منها.

ومن المشكلات التي هجمت علينا بقوة في الفترة الأخيرة بعد دخول التكنولوجيا تلك البرامج السيئة في الفضائيات والإنترنت، وهي تؤثر في نسبةٍ قليلةٍ من الشباب عندنا، فإذا كانت الأم واعيةً ومنتبهةً وتستشعر مسئوليتها عن البيت  وتحسن اختيار البرامج المفيدة وتقدِّم البدائل التي تشغل وقت الأبناء، فلن تكون هناك مشكلة، وهذا يحتاج إلى جهد عظيم من كل أم حريصة على رسالتها.

* يعتاد بعض الأطفال طرْحَ أسئلة محرجة.. فهل واقع الطفل الفلسطيني يختلف في طبيعة هذه الأسئلة؟ وهل هناك أسئلة  تحرج المربِّي الفلسطيني؟!

** الأطفال أذكياء، ولهم كثير من "القفشات" الظريفة، وأحيانًا يتساءلون عن بعض الأمور، مثل: كيف تقولون إن الشهيد ذهب إلى الله وأنتم وضعتموه في القبر؟! لماذا يحاربنا اليهود؟! لماذا لم يأتِ أبي؟! لماذا قتل اليهودُ أبي؟! لماذا لا يحارب المسلمون معنا وأنتم تعلِّموننا أن المسلم يساعد أخاه المسلم؟!.

* وما هو رد الأم على الطفل الصغير عند إلحاحه بالسؤال عن أبيه إن كان شهيدًا؟!

** الأم ترد: أبوك في الجنة، وبإذن الله سنذهب إليه، وأحيانًا بعض الأطفال يقول لأحد أعمامه أو أخواله "بابا"، ولا بأس بهذا؛ فهو يحتفظ بصورة والده الشهيد ونخبره أنه في الجنة، وتعلُّق الطفل بأحد الكبار شيء طبيعي؛ فالعم بمقام الأب، وكذلك الخال والد كما يقولون.

* وبمَ تردون على الطفل الذي يسأل لماذا لا يساعدنا العرب والمسلمون؟!

** نحن نفهِّم أطفالنا الواقع ونشرح لهم الفرق بين الشعوب والحكام، وأن أمة الإسلام كلها تقف معنا، وبإذن الله سيأتي اليوم الذي نتوحَّد فيه جميعًا لتحرير مقدساتنا، ومع تكرار الحوارات والاستفسارات وكثرة الأحداث والتحليلات أصبح الآن من بين أبنائنا الصغار سياسيون بارعون يفهمون الأحداث الجارية فهمًا صحيحًا.

: الحوار الاكثر قراءة
•فضل العشر الأواخر من رمضان