• jQuery Image slider حفل تحضره الملائكة
  • jQuery Image slider الأخ النابـه المستشار عبد الله العقيل
  • jQuery Image slider يا منصف الأعلام ... إلى المستشار عبدالله العقيل
  • عربي
  • انجليزي
  • فرنساوى
  • أردى
« حوارات

عبد الرقيب عباد: الإسلاميون سيعودون أكثر رشدًا وأكثر مصداقية واستيعابًا للواقع

حوار: فتحي عبد القادر

أكد الداعية الدكتور عبد الرقيب عباد نائب رئيس جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية باليمن أن الذي يحدث للأمة في هذه اللحظة الراهنة يدخل ضمن إطار سنة التدافع بين الحق والباطل، بين "المشروع الأمريكي الصهيوني" والمشروع الإسلامي الذي يقال عنه: "الإسلام السّياسيّ"، وقال في حديثه للرسالة:" الإسلاميون سيعودون إلى الحكم، ليس وفقًا لاستقراء بشري؛ بل وفقًا لسنن الله الحاكمة".

وأشار د. عباد إلى تجربة الإسلاميين في الحكم وبخاصة في اليمن ومصر والمخاطر التي تتعرض لها اليمن اليوم وغير ذلك من آلام وآمال العمل الإسلامي الراهن فإلى نص الحوار.

(*) بداية نود أن نعرف القاريء بشخصكم الكريم؟

(**) عبد الرقيب عبد الله حسين عباد، من مواليد 1969م، نائب رئيس جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية – اليمن.

مستشار وزارة العدل. عضو في شبكة "نماء" للمنظمات والجمعيات الأهلية والتي تضم أكثر من 426 منظمة وجمعية ومؤسسة باليمن.
مؤسس جمعية البر والعفاف، رئيس أمناء مؤسسة العمراني العلمية. متزوج ولي 5 أبناء.

وأقوم بتدريس مادة أصول الفقه في جامعة القرآن الكريم.

(*) تمرُّ الأمة الإسلاميّة هذه الأيام بمرحلة حرجة، حيث تشهد منطقتنا العربية والإسلامية صراعًا متناميًا بين أطراف مختلفة، في أَيِّ إطار يأتي هذا الصراع وفق الرؤية الإسلامية؟ بمعنى لو أردنا أن نُقدّم رؤية تأصيلية حول هذا الصراع القائم في المنطقة، فما أبرز ملامح هذه الرؤية ومعالمها؟

(**) لا شك أن الصراع قديم، وهو صراع بدأ في السماء قبل أن يكون له وجود في الأرض لمَّا خرق إبليس الإجماع الملائكي، وامتنع عن السجود لآدم -عليه السلام- فطرد من رحمة الله -عز وجل-، وفي تلك اللحظة أذن رب العزة -جل وعلا- بهذا الصراع بين فريقين اثنين لا ثالث لهما؛ فريق هم أولياء الرَّحمن، وفريق هم أولياء الشيطان، أذن الله (ع) للشيطان مع أوليائه أن يستخدم الخَيْل الرَّجِل وأن يشاركهم في الأموال والأولاد وأن يعدهم وما يعدهم الشَّيطان إلا غرورًا، وضمن ربّ العزة -جلا وعلا- الغلبة لأوليائه، في قوله تعالى: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد).

سيظل هذا الصراع مُمتدًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وتبقى هناك جولات لأنه لا يوجد في الحقيقة خير محض ولا شر محض، الخير المحض في الجنّة والشرّ المحض في النّار، ستظل سنّة التَّدافع بين الحقّ والبَاطل مستمرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ولا شك أن الذي يحدث للأمة في هذه اللحظة الراهنة يدخل ضمن هذا الإطار، إطار سنة التدافع بين الحق والباطل، وسنة الجولات الدائرة بينهما، ولله سبحانه وتعالى حِكَم في كلتا الحالتين: غلبة الكفار على المؤمنين لها حِكَم وأمور نعلمها وبعضها لا نعلمها، وأيضًا غلبة وتمكين الله (ع) للمؤمنين على الصف الشيطاني الظالم لهما عبر ودروس وحِكَم لا يعلمها إلاّ الله عزّ وجلّ، وقد نعلم بعضها.

الذي يدور اليوم – في تصوري – يأتي في إطار الصراع بين "المشروع الأمريكي الصهيوني" والمشروع الإسلامي الذي يقال عنه: "الإسلام السّياسيّ"، وتبدو الآن أوروبا وأمريكا هادئة، ساكنة، فيها تنمية، وفيها اعمار، بينما تجد المنطقة العربية ساخنة: العراق، سوريا، مصر، اليمن، ليبيا، وعندما تفتح ملف العراق تجد الصراع يدور على أشده، وأعتقد أن محصلة هذا الصراع هو تحصين "إسرائيل" التي هي ربيبة أمريكا، ومحاولة تهيئة الأجواء لصالحها، يساعد في ذلك للأسف الطابور الخامس الذي دأب على أن يشتغل في مثل هذه الظروف الصعبة، وَيُمَكِّن لأعداء الله -عز وجل - ليجعل بأس النَّاس بينهم شديدًا مصداقًا لقوله (تعالى): (دعوت ربي ثلاثًا فاستجاب لي اثنتين ولم يستجب لي الثالثة، دعوت ربي أن لا يهلك أمتي بالسّنين فاستجاب لي، ودعوت ربي أن لا يسلط عليهم عدوًا من خارجهم يستأصل شأفتهم، فاستجاب لي ربي، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم شديدًا فلم يستجب لي ربي)..

ملامح هذا المشروع هي إيجاد صراع بين "الشيعة" و"السّنة"، فالأمريكان يدخلون العراق ويسلمونها للشيعة، ويدخلون أفغانستان ويسلمونها للشيعة، وسورية وكذلك اليمن وغيرها، واضح إذن أنَّ المخطط يرمي إلى إيجاد صراع بين "الشيعة" و"السّنة" ليستهلك كل منهما الآخر حتى يتفرد هؤلاء الناس بالمنطقة، وأذكر أن أحدًا من المفكرين الأمريكان قال: "إن لدينا من الخلافات التي صنعناه في العالم العربي ما يكفي لتأميننا منهم لخمسين سنة قادمة".

(*) معنى هذا أن ذلك الصراع يأتي في سياق طبيعي سنني بين القوى المتضادة وليس هو كما يعتقد البعض، خاصة النخب العلمانيّة، في سياق التنافس على الموارد الطبيعية كالنفط وغيره؟

(**) هؤلاء الذين لم يعطوا إلا علم الدنيا، لقوله تعالى: (ذلك مبلغهم من العلم)، يفكرون في هذا الإطار؛ فهم ينظرون إلى ما يجري في المنطقة وفق نظرة مادية بحتة؛ لأنه ليس لديهم إلا علم الحياة الدنيا، لكن عندما ينظر المرء إلى واقع الحال ويُدْخله ضمن سنن الله (8) الجارية وسنن التَّدافع بين الحق والباطل يعلم أن ما يحدث هو بقدر الله (ع)، وأن هذا الصراع ما بين الحق والباطل مستمر وسيستمر، لا شك أن بعض الأسباب التي هي أسباب ظاهرية، أسباب مادية، ومن هذه الأسباب حظوظ لم يسلم منها حتى أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة.

(*) شهدت دول (ما بعد الربيع العربي) صعودًا للحركة الإسلامية إلى سدة الحكم، كيف تُقيِّمون - بالمجمل - الأداء السّياسي للحركة الإسلامية؟ وما هي أبرز النَّجاحات والإخفاقات في هذه التجربة؟

(**) يختلف الإسلاميون من بلد إلى آخر، أعتقد مثلاً أن الإخوان (الإصلاح) في اليمن لا يماثلون الإخوان في مصر، ولا الإخوان في مصر يشابهون الإخوان في تونس، والإخوان في تونس لا يشابهون الإخوان في ليبيا، كل منطقة لها خصوصيتها، ولها واقعها وظروفها، لكن أعتقد أن الإخوة في اليمن أكثر نضجًا سياسيًا من بقية الحركات نتيجة لأن الله (ع) ابتلاهم بالخير أكثر من ابتلائهم بالمحن وغير ذلك، فتجربتهم لا شك تجربة ناضجة ومتميزة، والإخوان في تونس وفي ليبيا وفي مصر تعرضوا لمحن كبيرة جدًا أدت إلى أن يكون أداؤهم السياسي أداءً ضعيفًا لكنهم لم يكونوا سببًا في ذلك، وإنما السبب هو الظرف والنظام والواقع المحيط بالتجربة.

أوضح أكثر وأقول: لما صعد الإسلاميون في ما يسمى بـ(الثورات العربية) تفاجؤوا بما يسمى بـ(إدارة الدولة)؛ وهي أصعب بكثير من إدارة (العمل الدعوي)؛ فالعمل الدعوي عبارة عن عمل قد مورس لأكثر من 87 سنة وأصبح لأبناء الحركة الإسلامية فيه تجربة تراكمية غير عادية، أصبحوا عمالقة متميزين، لكن في إدارة الدُّول ما زال عندنا نقص في التَّجربة، ما زال عندنا قصور حتَّى في الكوادر؛ لأنَّه حتَّى هذه الأنظمة التي عاشت في ظلها الحركة الإسلامية لم تترك لهذه الحركة فرصة أن تتنفس، ناهيك عن أن يتأهل المنتمون إليها للعمل السياسي، خصوصًا أن الإسلاميين أُبعدوا بطريقة أو بأخرى عن المؤسسة الأمنية والعسكرية التي لها الآن الصولة والجولة في الميدان ولذلك فنحن نعذرهم لضعف الأداء الذي هم غير مسؤولين عنه.

وأؤكد أن "الإسلامي" لا يختلف عن "العلماني" في إدارة الدَّولة؛ بل أقول مؤكدًا: إنَّ حرص الإسلاميين على بلادهم لما يحملونه من مشروع حضاري إسلامي يؤهلهم للنجاح أكثر من غيرهم، وليس هؤلاء الذن نجحوا أو يزعمون أنهم قد نجحوا بأكثر ذكاء وقدرة من "الاسلاميين" بدليل أن إخواننا في "غزة" حكموا لمدة معينة رغم شُحّ الامكانيات والظروف التي وُوجِهُوا بها.. تخيل لو أن الظروف المادية توفرت لهم مثلما تتوفر لغيرهم لكانت نسبة النجاح أكبر، خصوصًا أن معضلة الفساد المالي عند الإسلاميين أخف بكثير أو غير موجودة بحكم وازعهم الدّيني والأخلاقي..

(*) ما الذي يمكن أن يستفيده "الإسلاميون" من ابتلائهم بالحكم خلال الفترة الماضية؟

(**) الإسلاميون سيعودون، ليس وفقًا لاستقراء بشري؛ بل وفقًا لسنن الله (ع) لكونه سينصر هؤلاء المظلومين، يقول الله عز وجل: (وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين)، يقول هذا للمظلوم الذي يدعو فتصعد دعوته كالشرر إلى السماء.
سيعودون – ولا شك - أن عودتهم الثانية ستكون أكثر رشدًا، وأكثر عقلانية، وأكثر تفهمًا، وأكثر استيعابًا للواقع، ولا شك أن هناك مرحلة مراجعة في ظل هذا المخاض الذي تعيشه الحركات الإسلامية في معظم الدول التي حدث فيها الربيع العربي، وهذه المراجعة تهدف إلى تقييم الأداء لتدارك ما كان موجودًا عندنا من نقص في تأهيل الكوادر والتعامل مع المؤسسات الإعلامية التي ضُربنا منها أكثر مما ضربنا من الجيش والأمن، اليوم عندنا قنوات إعلامية، لكنها ما زالت ضعيفة، عندنا أفراد لكن ليسوا بالكثرة التي تكفي لإدارة دولة، نحن دخلنا هذا المعترك وتعرفنا على خفاياه ودهاليز الوزارات، لكننا ما زلنا في أمس الحاجة إلى الخبرات، ولابد في حقيقة الأمر من دراسة تجارب الآخرين: مثل مشروع تركيا ومشروع ماليزيا، وهناك مشروع مغاير لنا وهو مشروع إيران الذي يستحق الدراسة رغم اختلافنا معه.    

(*) هل تعني أن هناك فارقًا بين ما يعرف بـ(رجال الدين) وهم أبناء الحركة الإسلامية الذين لا يفهمون في السياسة وبين (رجال الدولة) وهم العلمانيون الذين لهم القدرة على ممارسة العمل السياسي؟

(**) لا أعني ذلك تحديدًا، بل إنني لست مع هذا القول جملة وتفصيلاً؛ لأن الذي يعتقد هذا الاعتقاد هو الذي يفصل الدين عن الدولة، ونحن نجزم أن الإسلام دين ودولة، مصحف وسيف، نجزم بأنَّ النَّبي (صلى الله عليه وسلم) مارس السّياسة مثلما مارس الدعوة سواء بسواء، والذي يريد أن يفصل هذا عن هذا يريد أن يسلخ جزءًا كبيرًا مُهمًّا من الإسلام ومن الدين، وينطبق عليه قوله تعالى: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض}، الإسلاميون جديرون بأن يحكموا، وليس عيبًا أن يكون لهم مشروع حكم، ليس عيبا أن يكونوا قادة وساسة وعقولهم مثل عقول الناس بل أصفى بإذن الله (ع) لتقواهم ولا نزكيهم على الله سبحانه وتعالى: {واتقوا الله ويعلمكم الله}، ولولا الظروف التي مروا بها واشتداد المؤامرة الدَّولية والإقليمية عليهم لما حدث ما حدث، فهم لم يحكموا في ظروف طبيعية بل في ظروف استثنائية يعلمها الجميع.

بالمقابل أتساءل عن الذين يحكمون الأنظمة العربية اليوم، ما مؤهلاتهم؟ ما مستوياتهم؟ ما ثقافتهم؟ لو احتككنا بمجموعة من الأمراء والرؤساء والوزراء سنجد أن ثقافتهم بسيطة عادية، بل ربما يفكرون في أشياء قد تستغربها، تافهة جدا، بعضهم لا يفكر إلا في فرجه وبطنه، وأقارن هؤلاء بالرئيس المصري الشرعي محمد مرسي، هذا الرجل الصادق الأمين الذي عنده حب لوطنه ويحمل مشروعًا إسلاميًا، مشروع رحمة، مشروع كرامة، مشروع عزة وإباء، مشروع نهضة، هذا الرئيس كان يحمل مشروعًا اقتصاديًا لكل الأمة.

إن العقل الإسلامي يستطيع أن يدير، يستطيع أن يحكم، مشكلتنا أن الشعوب لم تعطنا فرصة، لم تعط الإسلاميين فرصة أن يحكموا، لم يتحملوا فترات انتقالية بسيطة فيها بعض السلبيات ولو أن هذه الشعوب صبرت لكان خيرًا لها، لكن قدر الله وما شاء فعل.

(*) كشفت لنا الانتكاسات التي وقعت لدول (الربيع العربي) مدى هشاشة الجسم الاسلامي وعدم تماسكه؛ بل لا نبالغ إذا قلنا: أن بعضًا من أطرافه وقف مع أنظمة الانقلاب وساندها، كيف تفسر هذه الظاهرة؟ وما السبيل لتنقية الصَّف الإسلامي من الدخل وتوحيده على مشروع واضح ورؤية محددة مع استحضار حجم التّحديّات التي تعصف بالأمة؟

(**) يؤسفني القول إنه يوجد مشروع ايراني، مشروع تركي، مشروع ماليزي، مشروع أمريكي بل مشروع صهيوني مع اختلافنا معهم جملة وتفصيلاً، لكن مع الأسف لا يوجد مشروع اسلامي بنفس هذا المستوى، مشروع عالمي، إلا عند الإخوان، وهذا ليس تعصبًا، ولكني مع تسليمي بهذه الميزة للإخوان فإنني أؤكد أنهم لن يحققوه دون الآخرين، دون "جماعة التبليغ" و"السلفيين" و"حزب التحرير" و"الصوفيين" وغيرهم، للأسف نحن اليوم لا نجد هذا المشروع المتكامل الذي يتبلور في شكل استراتيجيات ورؤية واضحة نحقق بها غايات.

ما زال هناك نوع من الفجوة بين هذه الجماعات، والعمل الإسلامي يحتاج في هذه المرحلة إلى توحد، يحتاج إلى مشروع واضح المعالم حتى تتجاوز الأمة هذا الظرف الصعب، وتفطن إلى الاختراقات الفكرية التي حدثت في بعض الجماعات الإسلامية وأثّرت كثيرًا على هذه الجماعات وأفقدت الناس الثقة في أن يكون هؤلاء ممثلين للمشروع الإسلامي وما حدث في مصر من انحياز حزب يقال إنه إسلامي كان مخزيًا غاية الخزي والعار وما وقع في بعض البلدان من تحالف مع التيارات العلمانية والليبرالية للأسف الشديد أفقد المشروع بعض هيبته ومصداقيته، وقد آن للإسلاميين وهم يُضْرَبون ضربات موجعة من قبل تحالف إقليمي دولي أن يتوحدوا، ويستشعروا الخطر ولا يكونوا كالقائل: (أكلت يوم أكل الثور الأبيض ..). 

(*) ما شهادتكم على تجربة الحركة الاسلامية في اليمن.. (الإصلاح) تحديدًا؟

(**) هي تجربة رائدة متميزة، اعتمت على سياسة الانتشار في جميع شرائح المجتمع وأخذت بعدًا تربويًا وإعلاميًا وسياسيًا وتهيأ لها من الظروف ما لم يتهيأ لغيرها ودخلت في منعطفات كثيرة وشاركت في الحكم أكثر من مرة، وقربها من دوائر صنع القرار هيأ لها الانتشار، إلى جانب أن الحركة الإسلامية تغلغلت في وزارة التربية والتعليم، وكان لها السبق في إعداد منهاج تربوي سار عليه طلاب المدارس وطلاب المعاهد العلمية وأصبح لها من المحاضن التربوية في دور القرآن الكريم وفي مدارس تحفيظ القرآن بصمات رائعة وممتازة، وأصبح لها – أيضًا - مجال رحب في العمل الخيري إذ هي تمتلك الكثير من المؤسسات والجمعيات، ولا أبالغ إذا قلت: إن لها المئات من الجمعيات والمؤسسات الخيرية، كما أن اختيارها نهج السلم والوسطية والاعتدال جعلها محل قبول عند كثير من شرائح المجتمع ولذلك القبيلة تساند الحركة، والمثقفون يساندون الحركة، والطلاب يساندون الحركة، والعسكريون كثير منهم تأثروا بالجو الإسلامي وهم أيضًا يناصرون الحركة الإسلامية.

كذلك فإن عدم اصطدام الحركة بالنظام طوال سنوات أعطاها زخما كبيرا بفضل الله -سبحانه وتعالى- كل هذه العوامل أدت إلى أن تكون الحركة الإسلامية محط إعجاب، لكن وللأسف الشديد أن بعضا من إخواننا في دول الجوار لم يستفيدوا تربويا من هذه الحركة المباركة. 

(*) من الملاحظ أن اليمن اليوم يشهد انهيارًا مُدويًا لكل مؤسسّات الدَّولة .. كيف حدث هذا الانهيار الذي فاجأ الجميع؟ وهل الحركة الحوثية بهذا الحجم من القوة بحيث تشكل خطورة على اليمن بل على المنطقة كلها؟

(**) لابد من التأكيد في البداية أن المرحلة التي نحن فيها ليست هي مرحلة التمكين، بل هي نهاية فترة المدافعة بين الحق والباطل، بدليل أن مصر حُكِمت من قبل رجل صالح وتقي ونزيه هو الأخ  د.محمد مرسي في إلا أن جزءًا كبيرًا من شعب مصر بطر هذه النعمة وكفر بها والآن يتجرع الوبال والخزي والشنار والعار في ظل من انقلبوا على مرسي، وهنا تتجلى سنة التدافع – كما ذكرت من قبل.

وقد تشكل في فترة التدافع ما يسمى بـ(الثورة المضادة)، التي جمعت إمكاناتها وحشدت حشودها، وساعدها في ذك "الإطار الإقليمي" و"الإطار الدولي" الذي يسعى إلى محاربة "المشروع الإسلامي"، وأصبح لكل بلد من بلدان الربيع العربي نصيب من هذه (الثورة المضادة)، لاشك أن الإخوة في مصر كان لهم نصيب الأسد من حصة المؤامرة، فبدؤوا بهم وهذا أمر متوقع، لحجم مصر ودورها فهي قلب الأمة وروحها النابض، ثم جاء بعد ذلك نصيب للإخوة في تونس وليبيا واليمن الذي أتحدث عنه تحديدًا وأؤكد أن هناك من يرون من الخارج أن القبيلة تساند الحركة الإسلامية ومع القبيلة جزء من الجيش انضم إلى الثورة، لكن يظل هناك أمر مهم جدًا يجب أن نعترف به هو أن الدولة هشة والحكومة ضعيفة، وبالتالي حمّل الناس الإصلاح، كحركة اسلامية، واجبات الدولة، وبدؤوا ينظرون إليه كأنه الدولة وهذا الأمر غير منطقي، مع أن اللقاء المشترك له 16 حقيبة، والإصلاح ليس لها إلا ثلاث حقائب "وزارة العدل" وزارة "التخطيط الدولي" و"زارة التربية والتعليم" هذه هي الحقائب الثلاثة التي نحن مسؤولون عنها، وانضم إليها نائب رئيس وزراء وزير الكهرباء.

فنحن لسنا الدولة، وقد حدث في اليمن إحدى الدول التي اندلعت فيها الثورات العربية، ما حدث لإخواننا في هذه الدول بفعل الثورة المضادة التي ساهم فيها بعض الخيانات الموجودة في المؤسسة العسكرية، فقد تشكل حلف، وما زال هذا الحلف إلى الآن مستمرًا، بين "النظام السابق" و"الحوثيين" وهذا الحلف دعم - للأسف الشديد - من قبل أطراف دولية وإقليمية، وضُخت أموال واشتريت ذمم، وسقطت محافظة عمران، وكنا نعتقد أن سقوط صنعاء بات قريبًا بعد سقوط عمران؛ لأن السيناريو كان واحدًا والمُخرج كان وحدًا، والذي حدث في صنعاء هو نفس الذي حدث في عمران، وكان هدف المُخَطّط استئصال الإسلاميين، وإدخالهم في أتون حرب، ومحاولة "صوملة" صنعاء،  أو"دمشقة" صنعاء ولكن الله سلم، ونتيجة للتجربة السياسية ولما تتمتع به الحركة الإسلامية من نضوج، ومن معرفة للواقع آثرت الانسحاب حتى لا تحدث تداعيات خطيرة قد تؤدي بالبلد إلى منزلقات حرب أهلية لا تبق ولا تذر، الذي حدث إجمالاً هو عبارة عن مخطط، هذا المخطط هدفه الأخير إعادة النظام السابق بصورة أخرى، تختلف المسميات لكن هو انقلاب لمصلحة "صالح وعمار وطارق" بثوب الحوثيين.

وهو نفسه الذي حدث مع "حفتر" وهو نفسه الذي حصل مع "السيسي" وهو الذي حدث في بعض الدول الأخرى. 

(*) وما وجهة نظر (الإصلاح) في الانسحاب من ميادين القتال وعدم مواجهة الحوثيين؟ وما هي الموازنات الشرعية والسياسية التي بنى عليها الإصلاح موقفه؟

(**) الإصلاح قرر ألا يخوض أي معركة للدفاع عن صنعاء أو غير صنعاء إلا من خلال الدولة، ولأنه ليس هو الدولة، فقد كان قراره استراتيجيًا، لأن الدولة هي التي يناط بها الحفاظ على الحكومة والنظام العام في البلاد، وبالفعل لما جاء الحوثيون إلى صنعاء كان الجو العام أن الدولة قد اتخذت قرارًا بالمواجهة، ولما بدأت المواجهة انكشف للناس أن جزءًا كبيرًا من الدولة يخون ويتراجع ويسلم كل شيء إلى الحوثيين، فرأى الإخوة في الإصلاح أنه من المصلحة ألا يواجهوا خاصة بعد أن ظهرت معالم مؤامرة كبرى ضدهم، وهنا أصبح اتخاذ قرار بوقوف الإصلاح خلف الدولة لا قيمة له، فما معنى أن أتخذ قرارًا استراتيجيًا أني خلف الدولة، بينما هذه الدولة هي التي تقصف جامعة الإيمان، وتقصف مواقع الشباب عن طريق الفرقة أولى مدرعة.

وهذا أمر لا يفسره إلا تخلي الدولة عن دورها، ولا أقول "حيادية" الدولة؛ بل خيانة بعض مؤسسات الدولة كشريك في المؤامرة.

إذ كيف تفسر أن جيشًا قوامه أكثر من 400 ألف لا يواجه منهم إلا بضع مئات؟، كيف تفسر سقوط موقع التلفزيون بهذه السهولة وبه معدات عسكرية ومدرعات ودبابات إلا بأن هناك خيانات وهناك أموال دفعت لشراء ذمم فلم يكن أمام الإصلاح إلا أن يتخذ قرارًا سيُحمد له في الدنيا والآخرة، حقن به دماء الشباب وحافظ به على عاصمة اليمن؛ عاصمة الإمام الصنعاني والعمراني والزنداني والشوكاني حتى لا يكون الناس في وضع أسوأ، كان قرارًا موفقا وحكيما، والناس حَمِدو الإخوة في قيادة الإصلاح مثل هذا، بل إن لكل مخالف ومناوئ أن الإصلاح يحمل مشروع رحمة مشروعًا وطنيًا وليس مشروعًا دمويًا.

(*) لو قمنا بالموازنة من حيث الخسائر المتوقعة بين هذا القرار الذي تم اتخاذه من قبل قيادة الإصلاح لتجنب حرب أهلية وبين المواجهة، ألا يمكن أن نقول إنكم بالانسحاب ستحققون خسائر أشد، فالحوثيون هم المسيطرون على كل منافذ القوة في البلد وهم الذين سيقومون لاحقًا بحملات اجتثاث للإصلاح ومؤسساته؛ بل يمكن أن يقوموا بتنفيذ أحكام إعدام وتطهير عرقي، وبالتالي ستكون الخسائر أكثر مما لو قاومتم وأصبح لكم حضور قوي؟

(**) بشكل عام ينبغي على الشعب اليمني أن يمتص آثار الصدمة وأن يرص صفوفه، وأن يراجع استراتيجياته، اليوم الناس مدعوون – حقيقة - إلى أن يفكروا بعمق في كيفية اتخاذ القرار المناسب في هذه المرحلة الجديدة.

ولا أشك لحظة في أن إخواننا في قيادة الإصلاح اليوم يقومون بمراجعات قوية وكثيرة ويستفيدون من كل الأطروحات وكل الآراء، وأنا من خلال مجلتكم أهيب بمن لديه أفكار ورؤى وأبحاث استراتيجية ويملك مراكز بحثية أن يقدم لنا تصورًا حول ما يمكن عمله في المرحلة القادمة بالاشتراك مع مراكز صناعة القرار، وأؤكد أنه - وفقًا لما ستتمخض عنه هذه المراجعة - سوف يتخذ القرار الذي يمكن من خلاله المحافظة على الأفراد، وعلى المؤسسات، وعلى المكتسبات بشكل عام، ومرحلة المراجعة مرحلة مهمة جدًا في حياة الإسلاميين سواء كانوا في تونس أو في مصر أو في ليبيا، لأنها تؤدي إلى اتخاذ قرارات استراتيجية، كما أن التعاون فيما بين الإسلاميين للخروج من الإقليمية إلى العالمية أمر مهم جدًا؛ لأن الخصم واحد والسيناريو واحد وينبغي لفصائل الحركة الإسلامية بشكل عام أن توحد جهودها في هذا الإطار وتنطلق بإذن الله (ع)، الذي يقول: {فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}.

وأحسب أن ما فعله الحوثيون والنظام السابق من نهب وانتهاك للحرمات أعطى الشعب اليمني صورة واضحة عن الفارق بين الإصلاح وغيره.

(*) هل تعني أنكم تريدون أن يكون الشعب شريكًا في المواجهة؟

(**) هذه نقطة مهمة جدًا، فالإصلاح في مواجهته وفي دفاعه عن مكتسبات الدعوة ومكتسبات البلد، وجد نفسه في الساحة وحيدًا، الكثير يسألون عن الإصلاح، أين الإصلاح؟!..

وجدنا أنفسنا وحدنا، الدولة لم تكن معنا؛ بل كانت عدوة لنا في بعض مرافقها ومؤسساتها وأيضا وجدنا الشعب ليس كله معنا، هذه الملاحظة مهمة جدا يجب أن توضع في الحسبان نحن في اليمن يجب أن نكون لحمة واحدة وصفا واحدًا في مواجهة ما يحيط بنا من أخطار.    

(*) إذن إلى أين يسير اليمن؟

(**) لا يستطيع أي فصيل سياسي أن يحكم اليمن لوحده سواء كان من الإصلاح أو من المؤتمر أو حتى من الحوثيين.

اليمن اتفق على مخرجات حوار وطني استمر لأكثر من 10 أشهر اتفق على مخرجات وأعتقد أن هذه المخرجات هي السبيل للخروج من الأزمة الراهنة ومهما طالت الفترة التي نحن فيها سيعود الناس إلى المربع الأول وهو مخرجات الحوار.
فهناك نقطتان مهمتان جدا اتفقنا عليهما: كيفية إدارة الدولة وكيفية إدارة الثروة.
ولما اتفق المشاركون في هذا الحوار على هذا الأمر تمرد عليهم الحوثيون، وحاولوا أن يراوغوا، لكنهم انكشفوا عن حقيقتهم، الآن أنا متفائل ولست متشائمًا، وهذا من طبعي، وهي سنة النَّبي (صلى الله عليه وسلم) والله يخبر عن حالته مع الصحابة الكرام بالخندق: {إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا، هنالك ابتلي المؤمنون زلزلوا زلزالا شديدًا}.

في هذه اللحظات الفارقة بشر النبي (صلى الله عليه وسلم) لما ضرب الصخرة ثلاث ضربات بفتح فارس والروم وقصور صنعاء.

وربما يستمر هذا الأمر لسنوات قادمة، لكن يظهر لى أن هناك بقية مسرحية يجب أن تمثل، ربما يكون أبطالها الجدد هم القاعدة مع الحوثيين، أو أبطالها فيما هم الحوثيون مع النظام السابق، أبطالها عبد ربه منصور هادي مع النظام السابق، أبطالها عبد ربه منصور هادي مع الحوثيين، كل هذه السيناريوهات متوقعة.

(*) في إطار الأزمة اليمنية الحالية، هل تتوقع انفصالاً للجنوب؟   

(**) لا أتوقع أن ينفصل الجنوب عن الشمال؛ لأنَّ "المُخْرج" ليس في باله موضوع التقسيم، وذلك لأن التقسيم قد يضر بمصالحة بشكل عام.

موقع اليمن موقع استراتيجي، يشرف على مضيق باب المندب، ويشرف على كميات كبيرة جدا من البترول والتِّجارة الدولية، مما يجعل المجتمع المحلي والإقليمي يتريث ألف مرة في موضوع التقسيم.

لكنني أعتقد من زاوية أخرى أن مؤامرة (سايكس بيكو) قائمة وهي موجودة الآن، حيث يراد تقسيم العراق ومصر واليمن، لكن لا أظن في اليمن أن من مصلحتهم أن ينقسم الجنوب عن الشمال هذا توقعي.

إن الصف الإسلامي مازال متماسكا إلى حد كبير جدًا، ولم يخسر الإسلاميون المعركة.

هذا توقعي وتفاؤلي والأمر – بإذن الله - لن يدوم؛ لأن قوة الإسلاميين في البلد لا تزال  محفوظة بحفظ الله (ع)، ما زال شبابهم ملتحمين، ما زال الصف موحدًا، وهذا هو جوهر القوة فبحمد الله لم يخسر الإسلاميون الكثير ولم يغتل أحد من قيادتهم، هي فقط مجرد مجموعة مقرات تم سلبها ونهبها بصورة فجة "مغولية تترية".

(*) رسالة أخيرة.. لمن توجهونها؟

(**) إلى كل من أصابه اليأس وتسلل إلى نفسه الشك في حتمية انتصار الحق.. وأقول له: إن الأمة تمر بمخاض، هذا المخاض أليم لكنه سوف يُسهم ويُسفر عن مولود جديد وجميل، كل مخاض لا بد فيه من آهات وآلام هي التي نشاهدها في تونس وليبيا واليمن ومصر، وهي لن تدوم؛ لأن سنة الله هكذا في الأرض، لو كانت الغلبة دائما للكفار لَفُتن المؤمنون ولو كانت الغلبة للمؤمنين لما تمايز في الصَّف المؤمن المنافق من غير المنافق، وهذه حكمة من الله (ع).

نحن ننتظر ميلاد فجر جديد بإذن الله (سبحانه وتعالى)، سيعود الإخوان من السجون إلى الحكم بإذن الله (ع) يُحكِّمون شرع الله، ويحيون قيمة الحرية والشورى الحقة بصورة سلسة وميسرة.

: الحوار الاكثر قراءة
•فضل العشر الأواخر من رمضان