• jQuery Image slider حفل تحضره الملائكة
  • jQuery Image slider الأخ النابـه المستشار عبد الله العقيل
  • jQuery Image slider يا منصف الأعلام ... إلى المستشار عبدالله العقيل
  • عربي
  • انجليزي
  • فرنساوى
  • أردى
« كلمة فضيلة المستشار

الوحدة الإسلامية فريضة

الأمة الإسلامية هي أمة التوحيد التي آمنت بالله ربًّا، فأفردته وحده بالعبادة، وبمحمد (صلى الله عليه وسلم) رسولاً وإمامًا، فاتبعته واقتدت به، وسارت على هديه، وبالقرآن شرعة ومنهاجًا، فاتخذته دستورًا لها في هذه الحياة الدنيا.

وإن أمةً ربها واحد، ورسولها واحد، وكتابها واحد، وقبلتها واحدة، ووجهتها واحدة، لهي بحق أمة الوحدة، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92)، ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون: 52)، وهذه الوحدة هي نداء الفطرة، ونداء الحقيقة الخالدة التي نطق بها القرآن الكريم في قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13).

وكثيرًا ما يُذَكِّر القرآن الكريم المسلمين بأن الله منَّ عليهم بأن جعلهم أمة واحدة ومتآلفة، وأن هذه الوحدة نعمة تستوجب الشكر، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (آل عمران: 103).

ويحذر الإسلام أتباعه من التفرق والاختلاف، ومن إثارة الخلاف فيما بينهم، ويعتبر تنمية أسبابه خيانة عظمى لأهداف الإسلام، وتعويقًا لمسيرته، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: 105)، وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (الروم: 31- 32).

كما حذر الإسلام من اتباع سلوك الكفار وأصحاب الأهواء الذين فرقوا دينهم، وأصبحوا أحزابًا وفرقًا، فضلوا عن سواء الصراط، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (الأنعام: 159).

ولقد كان من حرص الإسلام على وحدة الصف الإسلامي أن حرَّم كل ما يؤدي إلى الخلاف والشقاق، وما يثير العداوة والبغضاء بين المسلمين، ويعد ذلك من وسائل الشيطان، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُم مُّنتَهُونَ﴾ (المائدة: 91).

وقد وجه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمته إلى ضرورة أن تتحد على منهج الله، وحذرها من الاختلاف في أسلوب بليغ، فعن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) قال: خطّ لنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خطًّا، وقال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن يساره، وقال: هذه سبل، وعلى كل سبيل شيطان يدعو إليه، ثم قرأ قوله تعالى (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأنعام: 153).

وفي الصحيحين عن النعمان بن بشير (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى شيئًا تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، وعن أبي موسى (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا, وشبك بين أصابعه"، وعن البراء بن عازب (رضي الله عنه) قال: "كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يتخلل الصف؛ أي في الصلاة من ناحية إلى ناحية يمسح صدورنا ومناكبنا، ويقول: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم".

والوحدة عند المسلمين ترتكز على عدة أسس تضمن لها الاستمرار والقوة، وتتمثل تلك الأسس في: العقيدة والتوحيد والمحبة والأخوة، والخير والمصلحة، والإسلام يرفض كل تجمع يقوم بهدف العدوان على الآخرين، كما يرفض فرض الوحدة بالقوة، أو أن تكون وفق المبادئ الوضعية التي تدين بها الأحزاب العلمانية التي لم تجنِ منها الشعوب الإسلامية إلا الويلات المتتابعة والنكبات والمصائب التي لا زلنا نعاني من آثارها، والتي انتصبت برموزها حربًا على الإسلام والمسلمين، وطرحت شعاراتها العلمانية كبديل عن الإسلام.

إن وحدة كهذه لا تستمر طويلاً، بل إنها محكوم عليها بالفشل، وهي آيلة للسقوط؛ لأنها لا تقوم على مبادئ الإسلام التي تعد كل بقعة فيها مسلم يقول «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وطن عند المسلمين جميعًا، له حرمته وقداسته وحبه والإخلاص له، والجهاد في سبيل خيره وعزته ومنعته.

وكل المسلمين في هذه الأقطار الجغرافية أهل وإخوة، اهتماماتهم واحدة، ومشاعرهم واحدة، وهذا هو الفارق بين المسلمين وبين دعاة الوطنية الضيقة الذين لا يتجاوز نشاطهم حدود الوطن الجغرافية، بينما المسلمون يعتقدون أنهم مطالبون بهداية البشرية كلها بنور الإسلام، ويبذلون في تحقيق ذلك أموالهم ودماءهم وأنفسهم مرضاة لله تعالى، وإسعادًا للعالم بهذا الدين، وتحريرًا للعباد من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد القهار، مستهدين بمنهج الإسلام الأصيل المستمد من الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة الذي يعد أول مراتب القوة قوة العقيدة، ثم قوة الوحدة، ثم قوة الساعد، ولا يفرط في جانب من الجوانب على حساب الآخر، فلا يهتم بقوة الساعد قبل قوة الوحدة، ولا بقوة الوحدة قبل قوة العقيدة؛ لأن المسلم الحق هو الذي تكون عقيدة التوحيد قد تشربت في أعماق قلبه، واستشعرها في كيانه وأحاسيسه، وتمثلت في حركاته وسكناته وجوارحه، فصار يتحرك بالإسلام، ويمثله في كل تصرفاته ويواجه الخصوم بكل صلابة؛ لاطمئنانه إلى أن الله معه، فهو سبحانه القائل: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) (النحل: 128)، ويسعى جاهدًا لأن يأخذ الإسلام مكانه في واقع الحياة، ويحكم بمنهج الله، باذلاً جهده في بيان دعوة الإسلام، وداعيًا لجمع الكلمة تحت راية التوحيد، وآخذًا بكل الأسباب الموصلة إلى وحدة المسلمين وتوثيق أواصر الأخوة الإسلامية فيما بينهم والتعاون لإعداد العدة والأخذ بها استجابة لأمر الله تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّة) (الأنفال: 60).

ولهذا فإن الوحدة المنشودة التي يتطلع إليها كل مسلم هي التي تجعل أخوة الإسلام الفيصل في العلاقات بين الأفراد والجماعات، والمعلم البارز لكل تصرف يصدر من الدعاة أفرادًا أو قيادات، والميزان الذي توزن به الأمور وتحل بمقتضاه المشكلات والمعضلات، فقد شرع الرسول (صلى الله عليه وسلم) في ترسيخ معاني الأخوة الحقة بين المهاجرين والأنصار، ثم بعدها أخذ في الإعداد والاستعداد لمواجهة الخصوم بقوة الساعد والسلاح؛ فكانت المعارك الحاسمة بين الحق والباطل، وكان البلاء الحسن لرجال العقيدة والوحدة والأخوة والقوة، فحقق الله النصر على أيديهم، ورفع راية الإسلام، وأعلى كلمته، وقمع الباطل وأهله وأزال دولته، وأشرقت الأرض بنور ربها، وزال الطغاة، وتحطمت الأصنام، وانطلقت جحافل المجاهدين شرقًا وغربًا تطهر الأرض من دنس الباطل، وتستأصل شأفة المتكبرين والمتسلطين، وتحرر العباد والبلاد من الظلم والفساد، وتظلها براية الإسلام الحنيف الذي جاء لخير الإنسانية كلها ولسعادة البشرية جميعها.

وإن المسلم الذي يغار على دينه، ويألم لما وصل إليه حال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ليستطيع بنظرة فاحصة متأملة في التاريخ الإسلامي أن يتوصل إلى أن الأمة الإسلامية لا يمكنها أن تصل إلى الوحدة الحقيقية، ولا يمكنها أن تعود إلى سابق عهدها من الريادة والسيادة والعزة، إلا من خلال استمساكها بعقيدة التوحيد الحقّ، وأنها بقدر تفريطها في عقيدتها يصيبُها التفرق والاختلاف والتنازع، مما يعرضها إلى الضياع والزوال، وإلى أن يطمع فيها أعداؤها، قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: 46).

إن العالم اليوم يشهد إفلاس القيم الغربية، وتهاوي الأنظمة الوضعية، وكثرة المآسي الإنسانية، وإهدار الكرامة الآدمية، وهذا يتطلب من المسلمين جميعًا أن يكونوا على مستوى المسؤولية، وأن يشرعوا في التضامن فيما بينهم، وتقريب شقة الخلاف والعمل الجاد الدؤوب للسير في طريق الوحدة على هدي من الكتاب والسنة مع فهم مجريات العصر وتقدير ظروفه، والتحرك بخطى ثابتة مدروسة بعيدة عن الارتجال وردود الأفعال، والتعامل مع الأحداث والوقائع بأسلوب العصر ومنهج الشرع.

:كلمات سابقة لفضيلة المستشار
• جهود العلماء والحركات الإسلامية في وحدة الامة (1)
• في أهمية العناية بالتكوين والتربية لكل جوانب الفرد
• في الاهتمام بالمرأة والطفل
• تحديات العصر ومسؤولية الدعاة
• الإمام البنا والعودة إلى منهج القرآن
• مهمة المسلم
• هؤلاء هم الرجال حقًا
• لماذا تأخر المسلمون؟!
• الإيمان طريقنا إلى النصر
• عالمية دعوة الإمام البنا
• عن البنا ومذكراته (2)
• عن البنا ومذكراته (1)
• أيها المؤمن الحق.. لا تيأس!
• الابتلاء وأثره في حياة المسلمين
• مع الحياة في ظلال القرآن..