• jQuery Image slider حفل تحضره الملائكة
  • jQuery Image slider الأخ النابـه المستشار عبد الله العقيل
  • jQuery Image slider يا منصف الأعلام ... إلى المستشار عبدالله العقيل
  • عربي
  • انجليزي
  • فرنساوى
  • أردى
« كلمة فضيلة المستشار

عن البنا ومذكراته (1)

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله.

الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة الإيمان، وكرمنا بدين الإسلام، وجعلنا تبعًا لسيد الأنام محمد (عليه الصلاة والسلام).

أما بعد،

فإن الإمام البنا استطاع عبر سعيه الحثيث وجهده الدءوب أن يؤسس لعمل إسلامي ألقى بظلاله وتأثيراته على كلِّ الفضاءات، وأضحى من البروز بمكان، بحيث يصعب نكرانُه أو تجاهله، حتى من قِبل أولئك الذين يقفون في الاتجاه المعاكس من المشروع الإسلامي، وأراد الإمام البنا للمشروع الإسلامي أن يتسم بكلِّ الصفات التي تجعله قادرًا على الوفاء بالاحتياجات المعاصرة، وتلبية طموحات وتطلعات أبناء الأمة، ومتمكنًا من الصمود في وجه التحديات والاستحقاقات.

ومن أخصِّ الصفات التي حرص الإمام البنا على أن تكون وثيقة الصلة بالمشروع الإسلامي: التسامح، والتصالح، والرحابة، والاستيعاب، فكان منهجه متميزًا يسير على جمع الأمة على المتفق عليه من الأمور، وأسلوبه في التعامل مع الأفراد: أن يتعامل مع الخيرية في كل إنسان

كما كان الإمام البنا في أفكاره ومسلكياته شديد النفور، وفائق الحساسية إزاء كلّ دواعي التصلب والتشنج، ولَكَم كان حريصًا على أن ينأى التيار الإسلامي بنفسه عن أجواء التشاحنات والتجاذبات، وأن يكون الحوار سبيلاً لتسوية كلِّ اختلاف.

ومن خلال معاينة الآثار التي خلَّفها الأستاذ البنا - والتي كانت رسائله من أبرزها - ومن واقع الاطلاع على شهادات من عاصروه، يمكن التعرف على الكثير من الصفات التي تميز شخصية الإمام البنا، وفي صدارتها الإحساس العارم بالمسؤولية، تلك الصفة التي انعكست على تجلياته الحياتية فحولته إلى طاقة هائلة، وحركة دائبة تحمل على عاتقها واجبات ومسؤوليات تمتدُّ دوائرها في الاتساع لتشمل العالم الإسلامي بأسره، بل والعالم أجمع.

وبهذه الروح لهذا الرجل الذي لم يكن يهدأ له خاطر، ولا جارحة أمكن للأستاذ البنا أن يسدي الكثير من العطاء لقضايا الأمة وإشكالِياتها.

لقد مثَّل الإمام البنا حلقة إضافية في سلسلة المجددين، وإذا كان التصور الذي يعتقده الكثيرون يقوم على أن القول بشمولية الفكرة الإسلامية، وتكامل أبعادها، ومحاولة ترسيخ هذه الأطروحة في الواقع الحياتي - هو ملمح التجديد الرئيس لدى الإمام البنا، فإن البعض يرى أن ثمة مجالات أخرى في المنحى التجديدي شكلت فرادة وجدة امتازت بها أفكار الإمام البنا، حيث ولج الإمام مسالك ودروبًا، وخاض في مسائل وإشكاليات اتسمت أطروحاته فيها بالنفاذ والتجديد.

ففي قضايا الإصلاح والتغيير، وفي مسائل الحرية والديموقراطية، وفي إشكاليات بناء الجماعة الوطنية، والعلاقة مع الآخر بكل صنوفه، في كل هذه المدارات قدم الإمام البنا رؤى تجديدية ما زال النفس التجديدي بها حارا، وما زالت هذه الأفكار غضة طرية لم تيبس بعد.

وما زالت فكريات الإمام البنا ووهج آثاره قادرة على تقديم الحلول، خاصة وأن الكثير من آراء الإمام البنا وأفكاره في هذا الجانب لم تأخذ ما تستأهله من التدقيق والتمحيص.

لقد كان الإمام البنا - على قصرِ حياته - قمة شامخة، وكانت حياته القصيرة حياة مباركة، قد استوعب الإسلام في كل فروعه، فقد كان بحرًا زاخرًا في العلم متمكنًا، وكان داعية موفقًا، وكان رجلاً ربانيًا، أو "الرجل القرآني" كما قال المفكر الأمريكي روبير جاكسون.

كان الإمام البنا عالميَّ النظرة، وعالمي العمل، وعالمي الحركة، كان يعنى بالوطن الإسلامي، ويهتم اهتمامًا كبيرًا بتربية الإخوان، ويقول لهم: كونوا كالشجرة، يرميها الناس بالحجر، فتلقي إليهم بالثمر. اصبروا؛ فالزمن بصالحكم، وكونوا أنتم الأسوة والقدوة، والناس إنما يتأثرون بسمت الإنسان وخلقه ومعاملاته أكثر مما يتأثرون بفصاحته؛ حتى لو كانت عندك فصاحة قس بن ساعدة الإيادي وبلاغته، ما أثرت في الناس؛ إذا كان سلوكك يختلف عن الكلام الذي تقوله.

وقد اتسمت رسائله بالشمول والتنوع، وخاطب كل الشرائح العمرية والطبقات الاجتماعية، وكل المستويات الثقافية، ولفت أنظار ذوي الاهتمامات المختلفة وإن بدت متباينة، خاطب المقبل والمعرض، يتنقل في رسائله بين الدعوة الخاصة والعامة، الأمر الذي جعلها موضع دراسة وبحث من كثير من العلماء والمفكرين.

لذلك قال عنه المستشار طارق البشري: لم يكن حسن البنا فقط مفكرًا ممن تعرف أفكارهم من كتاباتهم، ولم يكن فقط حركيًا وزعيمًا لتنظيم ولجماعة ممن يظهر أثرهم في حياتهم، ولم يكن فقط أستاذًا يربي تلاميذه بما ينقل إليهم من معارف ومناهج تفكير.

الحق أنه كان كل هؤلاء، وكان أكثر من ذلك، كان استجابة تاريخية لاحتياج تاريخي لأمته في ظرف تاريخي يمثل مفترق طريقين، هل سيؤول الفكر الإسلامي إلى محض علاقة باطنية بين الفرد وربه وتترك الدنيا والناس من المسلمين لأوضاع النظم الوضعية الغربية الوافدة، أم سيسترد الفكر الإسلامي عافيته فيعود من جديد مرجعية شاملة للعقيدة والنظم والمعاملات والقيم بين الأحياء من البشر والمسلمين، وبه جاءت الاستجابة لصالح استرداد الفكر الإسلامي لعافيته الفكرية والحركية.

ومن هذه العباءة خرجت حركات ساسية متعددة ومتنوعة، وخرجت حركات إصلاح اجتماعي متنوعة أيضًا، وخرج مفكرون ودعاة وساسة ونظم تعليم ومناهج تربية، كما خرجت نظم بنوك ومصارف. وبهذه الاستجابة التاريخية التي مثلها حسن البنا صرنا فى بداية القرن الحادي والعشرين أعز وأقوى وأرجى في المستقبل مما كنا في بداية القرن العشرين.