• jQuery Image slider حفل تحضره الملائكة
  • jQuery Image slider الأخ النابـه المستشار عبد الله العقيل
  • jQuery Image slider يا منصف الأعلام ... إلى المستشار عبدالله العقيل
  • عربي
  • انجليزي
  • فرنساوى
  • أردى
« كلمة فضيلة المستشار

عن البنا ومذكراته (2)

الإخوان المسلمون اسم تهفو إليه القلوب، وتتطلع إليه الأفئدة.. جماعة مؤمنة، ائتلفت على حب الله، وتعاهدت على إعلاء كلمته والموت في سبيله، عرفتها فعرفت الإسلام على حقيقته، واتصلت بها، ففهمت غايتها ومقصدها، فإذا هي أنبل غاية وأشرف مقصد.

قوة هائلة عظيمة تعتمد في جهادها على الله، وتؤمن بنصره، وتسير على هدي كتابه وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم).

أسسها الإمام الرباني حسن البنا (رحمه الله) الذي كانت عنايته الأولى موجهة إلى صنع الرجال وبنائهم، فطاف بأكثر من ثلاثة آلاف قرية ومدينة في مصر، وهو مدرس ليست عنده إجازة إلا يوم الجمعة، يخرج يوم الخميس من المدرسة ليقوم بجولاته.. هنا وعظ، وهنا محاضرة، وهنا درس، وهنا صلاة جمعة، وهنا تهجد، وهنا قيام، وهنا كتيبة، وهنا أسرة، وهكذا.

واستمر على هذه الحال، راتبه من مدرسته وجهده وهو مدرس، ولم يدع التدريس إلا في سنة 1946م حينما أخرج مجلة الشهاب؛ لتكون على غرار مجلة المنار للشيخ محمد رشيد رضا، لأنه قد تولى إصدار المنار بعد وفاة الشيخ رشيد رضا (رحمه الله)، خمسة أعداد أصدرها بترشيح من الشيخ المراغي، وبطلب من ورثة الشيخ رشيد رضا، فأراد أن يصدر مجلة علمية تكون زاداً للإخوان في تخصصاتهم، عند ذلك هجر التدريس من 1946م.

ولم يطل به المقام ففي 8/12/1948م، حُلت جماعة الإخوان، وفي 12 من فبراير 1949م اغتيل الإمام الشهيد من قبل أعوان الطاغوت عن عمر تجاوز الثانية والأربعين سنة ببضعة أشهر.

استطاع البنا في عمره القصير أن يحقق جهداً وطاقة استنفدها في الدعوة إلى الله ليل نهار، فكانت تكفيه الساعات القصار من النوم، ويكفيه الأكل القليل، وكأن الله (عز وجل) أعطاه قوة ويقيناً وتحملاً للشدائد وصبراً على الرحلات وقهراً للذات.

اتصف الأستاذ البنا بعدم اللجاج والخصام مع الأفراد والجماعات، وتبيان الحقائق بأدلتها، ومقابلة السيئة بالحسنة، وخفض الجناح والتواضع للمسلمين عموماً، وإشاعة الحب في الله بينهم، والبعد عن هيمنة الكبراء وأصحاب النفوذ والمال، والصبر على البلاء والمحن من الأفراد والجماعات والحكومات، واحتساب ذلك كله عند الله (عز وجل) وعدم مقابلة السيئة بمثلها.

ويتضح ذلك من الشعار المرفوع للإخوان والمدون في أدبياتهم، الشعار المتكرر الذي كان ومازال: الله غايتنا، القرآن شرعتنا، الرسول قدوتنا، الجهاد سبيلنا، الموت في سبيل الله أسمى أمانينا.

إن الجديد الذي قدمه الإمام الشهيد حسن البنا، وفاق به أقرانه ومعاصريه ومن سبقوه من الدعاة والمصلحين والمجددين - إنما هو انصرافه إلى بناء الرجال، وتكوين النماذج الإسلامية الصادقة قولاً وعملاً؛ حيث كان جل عنايته وجهوده في برامجه ومناهجه، صياغة الفرد المسلم وفق منهج الإسلام المستقى من الكتاب والسنة، وما أجمع عليه سلف الأمة.

فكانت نظم الكتائب والأسر والجوالة والكشافة والرحلات والمعسكرات والندوات والمحاضرات والدروس والتعليمات - ميادين لتربية الأفراد التربية الإسلامية العملية، بل كانت "رسالة التعاليم" التي وضعها الإمام البنا للمجاهدين من الإخوان المسلمين الإطار الفكري والمنهج العملي الذي من خلاله أدرك الإخوان حقيقة الإسلام وفهموه من خلال هذه الأصول العشرين الموجزة.

كما كانت أركان البيعة العشرة وواجبات الأخ العامل هي البرنامج العملي للأخ المسلم في شخصه، وبين أسرته، وفي مجتمعه المحلي، ومجتمع المسلمين في العالم كله.

لقد كان الإمام البنا متصلاً بالجماهير الشعبية على مختلف طبقاتها. يشرح لها حقيقة الإسلام في المقاهي والأندية والمساجد والمدارس، ويسلط الأضواء على واقع الأمة الإسلامية ومشكلاتها، ويطرح الحلول لمعضلاتها على هدى الإسلام الذي فيه صلاح أمرها في الدنيا والآخرة.

كما كان يعنى بالتركيز على الصفوة من أبناء الأمة، ويحملهم مسؤولية القيام بأعبائها، والنهوض بتكاليفها، والتصدي لعلاج مشكلاتها، ويستحث الشباب على وجه الخصوص بقوله: "إنما تنجح الفكرة إذا قوي الإيمان بها، وتوفر الإخلاص في سبيلها، وازدادت الحماسة لها، ووجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها، ومن هنا كان الشباب قديمًا وحديثًا في كل أمة عماد نهضتها، وفي كل نهضة سر قوتها، وفي كل فكرة حامل رايتها".

إن الإمام الشهيد حسن البنا كان نمطًا فريدًا متميزًا قلَّ أن تجد من القادة المعاصرين من توفرت فيه صفاته ومؤهلاته، فهو عالم متمكن، ومؤمن صادق، ومجاهد محتسب، طيب المعشر، متواضع الخلق، بسيط المظهر، بعيد عن التكلف والتحذلق والتعالي.

لم أر فيمن التقيت بهم ممن عرفوه عن قرب إلا الإكبار لأخلاقه، والحب الصادق له، والتتلمذ على يديه، والقناعة التامة بمنهجه وأسلوبه، ولم أعرف جماعة من الجماعات، أحبت قائدها هذا الحب الصادق، كما لم أر جماعة بينها من الحب والتكافل والتعاون مثل ما رأيت في جماعة الإخوان المسلمين، وبخاصة في مصر.

لقد كان الإمام البنا يعرف واقع المجتمع الذي يعيش فيه، ويشارك أفراد هذا المجتمع آلامهم وآمالهم، ويخاطبهم على قدر مستوياتهم، فكانت آثاره في كل بلد حل فيه، ويكفي أن يلتقي بالشخص مرة واحدة فلا ينسى أحدهما الآخر، ولا تنفصم عروة ارتباطهما على مدى الأيام والسنين.

كما كان فكر الإمام البنا ومنهجه واضحًا غاية الوضوح، صالحًا لكل الظروف، بدليل بقائه، واستمرار دعوته، وكثرة أتباعه في شرق الأرض وغربها وشمالها وجنوبها.

ولقد حقق منهج الإمام البنا الكثير من أهدافه ومنجزاته في حياة البنا، وبعد استشهاده، ولا زال هذا المنهج يحقق أهدافه، وتتسع رقعة المؤمنين به والمقتنعين بصلاحيته، رغم كل العقبات التي اعترضت مسيرته من القوى الداخلية والخارجية، وهذا أكبر دليل، وأصدق برهان على النجاح المتميز لهذه الدعوة المباركة التي قام بها الإمام المجدد حسن البنا.

ولا زالت المسيرة العامة لجماعة الإخوان المسلمين تشق طريقها وسط كل العقبات، وأمام كال التحديات، ولم تسلك في وسائلها وأساليبها مسالك العنف، اللهم إلا في الدفاع عن حقها المشروع في مقاومة المحتل البريطاني بمصر، أو الاستيطان الصهيوني بفلسطين، وهذا جهاد شرعي أمر الإسلام به لمقاومة الاستعمار والاحتلال، وتخليص ديار المسلمين من الغاصبين المعتدين.