• jQuery Image slider حفل تحضره الملائكة
  • jQuery Image slider الأخ النابـه المستشار عبد الله العقيل
  • jQuery Image slider يا منصف الأعلام ... إلى المستشار عبدالله العقيل
  • عربي
  • انجليزي
  • فرنساوى
  • أردى
« كلمة فضيلة المستشار

لماذا تأخر المسلمون؟!

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد؛ فإن المتتبع لسير الأحداث العالمية، والمتأمل في مجريات الأمور السياسية يلمس - بصورة واضحة دقيقة - أن معظم الناس في العالم كله أصبحوا لا يثقون بقدرة المبادئ والنظم السائدة في العالمين: الشرقي والغربي على حلِّ مشكلاتهم وعلاج عللهم، سياسية، أو اجتماعية، أو اقتصادية، مما جعلهم يتشاءمون من كل حركة أو دعوة جديدة لها، فيلحقونها بما سبقها من دعوات لم يكن لها من رصيد سوى الدعاية والقوة التي تفرضها على الشعوب فرضًا، وتلزمها بقبولها قهرًا.

وإزاء فشل الدعوات الحديثة في مداواة جراح الإنسانية، وتسكين آلامها، وبعث الطمأنينة والسلام بين شعوبها، وأمام هذه الحيرة التي يقف حيالها أحرار الفكر ودعاة السلام الحقيقي، باحثين عن حل حاسم، وعلاج ناجع يقضي على هذه الحرب الباردة، ويريح البشرية من نتائجها وويلاتها، وأمام هذا الجشع المسعور والتسابق المحموم إلى تعبئة القوى وحشد الجهود؛ لحمل الناس حملاً على تبني مبادئ لا يؤمنون بصلاحيتها، بل يوقنون بخيبتها وإفلاسها. أمام كل ذلك يقف المسلمون، ووسط هذا الخضم المتلاطم يعيشون دون أن يبدوا حراكًا، أو يتقدموا خطوة، مع أن الحل في أيديهم، والدواء في عقيدتهم.

وقد سبق أن سار أسلافهم الأولون يحملون إلى البشرية مشاعل الحرية وأنوار الهداية، فسعدوا، وأسعدوا، وتحرروا وحرروا، وانطلقوا سراعًا لا يلوون على شيء إلا مرضاة الله، وتقديم الخير إلى الإنسانية جمعاء، وإعتاقها من أغلال العبودية، وقيود الذل، وروابط التبعية. ولم يحدثنا التاريخ قديمه وحديثه عن دعوة أسمى من دعوة القرآن، ولا دين أرحم من دين الإسلام، ولا خلق أفضل من خلق المسلمين، ولا حكم أعدل من حكم الخلفاء الراشدين، ولم تسعد الشعوب في ظل دولة كما سعدت في ظلال شجرة الإسلام الوارفة، وتعاليمه السمحة وشريعته الغراء.

لذلك ندعو - وكلنا ثقة وأمل بالاستجابة - رجال الفكر الإسلامي، وقادة الإصلاح الاجتماعي، وحملة الشريعة المحمدية إلى أن تتضافر جهودهم، وتتكتل قواهم، ويُجمعوا أمرهم على خوض معركة الحياة بقوة وعزم وصبر وثبات وثقة واطمئنان، فإن السيل لا يوقفه إلا سيل مثله، والتيار لا يصده إلا تيار أقوى منه، وحل المعضلات لا يكون في الهروب منها أو التواري عنها، بل يكون بالبحث والاستقصاء، والدراسة والتتبع، وإعمال الفكر والنظر، وتشخيص الداء، وتلمس العلاج.

فما من مشكلة أو معضلة، وما من مسألة أو حادثة إلا وفي الإسلام لها حل. ونحن نرى اليوم دعاة الشر قد تجمعوا، وأعداء الإسلام قد اتحدوا؛ فمن شيوعية ملحدة إلى رأسمالية طاغية، إلى ديكتاتورية متجبرة، إلى استعمار صليبي، إلى صهيونية عالمية، إلى إباحية فوضوية، إلى مادية متكالبة.

كل أولئك قد انقضوا على الإسلام يريدون أن ينقصوه من أطرافه، وانقضوا على المسلمين يفسدون أخلاقهم، ويشوهون عقيدتهم، وعلى الوطن الإسلامي يستغلون ثرواته، ويستنزفون خيراته، مستعينين في ذلك بالدول الكبرى، والدعايات الضخمة، والجيوش الجرارة، والمخططات السرية الهدامة، وكل وسائل الإغراء، والتهديد، والدس والخديعة، ويساعدهم على ذلك تفرُّق كلمة المسلمين، وتكالبهم على الدنيا، وتطاحنهم على ملاذها وسفاسفها، وإهمالهم لأسباب التقدم والحضارة والمدنية والرقي، وتقاعس العلماء عن أداء واجبهم، والإدلاء بدلوهم في مشكلات العصر، ونكوصهم عن قيادة جماهير المسلمين إلى الحياة الإسلامية الكريمة.

ومما لا شك فيه أن على المسلمين جميعًا - وعلى رأسهم علماؤنا الأعلام - أن يأخذوا بأسباب اليقظة والنهوض، ويجتمعوا على شكل مؤتمرات تضم الصفوة المختارة من أهل الحل والعقد في كل أمر من أمور الإسلام، يتدارسون فيما بينهم حلول الإسلام لمشكلات العصر الحاضر، وينظرون في واقع المسلمين، وسبيل النهوض بهم، وطرق التبشير بالإسلام في المناطق البدائية والبلاد التي لم يصلها الإسلام، أو وصل إليها بصورة مشوهة عن طريق غير طريق أبنائه. فما على المسلمين - خصوصًا ذوي العلم ودعاة الإصلاح - إلا أن يسارعوا في جمع الشمل على الأصول العامة للإسلام، ونبذ التفرق والخلاف، والتعاون على المسائل المتفق عليها، ودرء الخطر الداهم من الشرق والغرب، وتقديم الإسلام إلى شعوب العالم في حلة قشيبة تكشف عن محاسنه، وتظهر جماله، وتجذب العقول والقلوب إليه.

والمسلمون - بحمد الله - لا زالوا بخير، والطاقات العلمية متوافرة لديهم، والعلماء الأفذاذ يملئون ديار الإسلام، ولكن ينقصهم التجمع والتعارف والتعاون على العمل المشترك في أسلوب منظم وخطة منهجية مستمرة، فلنبادر إلى العمل بإخلاص وصدق وعزيمة وتوكل، والله الموفق إلى كل خير.

المسلمون اليوم كثير عددهم، وخزائنهم مليئة بالمال، ومع هذا نجد الجوع والفقر والضعف ينتظم صفوفهم، والهلع والخور والجبن يرتسم على مُحَيَّاهم، ويشمل طبقاتهم جميعًا: الحكام، والزعماء، والقادة، والأغنياء، والعلماء، كل هؤلاء - إلا من عصم الله - يغلفهم ويظللهم حب الدنيا وكراهية الموت.

والرسول (صلى الله عليه وسلم) قد حذر من هذا، ونبهنا إليه، فعن ثوبان مولى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تداعى الأكلة على قصعتها، قال: قلنا: يا رسول الله، أمن قلة بنا يومئذ? قال: أنتم يومئذ كثير، ولكن تكونون غثاءً كغثاء السيل، ينتزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن. قال: قلنا: وما الوهن? قال: حب الحياة وكراهية الموت".

وما وصلنا إلى ما وصلنا إليه إلا يوم أن خضعنا وركعنا إلى ماديات الأرض، وعشنا للدنيا ولم نعش فيها، والله (سبحانه وتعالى) يريد لنا أن نعيش في هذه الدنيا، يريد منا أن نسخرها في طاعته، يريد منا أن نكون عبادًا له سبحانه.

وفي تقديري أن العالم الإسلامي تلف مشاكله مشكلة واحدة، هي أننا جَبُنَّا عن أن نعرف دورنا في واقع هذه الحياة.. الطالب جَبُنَ، المدرس منا جبن، الحاكم جبن، المحكوم جبن، الغني جبن، الفقير جبن، وكل أولئك أخذوا يدورون مع الدينار والدرهم، واستعبدتهم الدنيا، فلم يسخروها في طاعة الله (عز وجل) وعمارتها وإصلاحها.

إن أعداء الإسلام يحاربون الإسلام بتخطيط وإعداد مسبق، ويقطعون الفيافي والقفار، وينقطعون لأعمالهم، ويتخذون كل الوسائل، ويبذلون كل الطاقات، وينفقون الأموال للحرب على الإسلام وهم على باطل وكفر، ونحن - المسلمين - نثور ثورات عاطفية.. نتحمس وقتيًا.. نتأثر ببلاغة الخطيب وحماسته، ونتمايل لنغمات ترتيل القرآن، لا تأثرًا بتلاوته، حتى إذا ما انتهى الخطيب من خطبته، وانتهى القارئ من قراءته عاد كل شيء إلى وضعه.

وليس بهذا ينصلح الحال، ليس بهذه الطريقة يتحقق أمر الله فينا، إننا كما يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم)، أصبحنا غثاءً، كثرة في العدد، وفرة في المال، ولكن قلة في الرجال، نحن في حاجة ماسة إلى أن نراجع أنفسنا ونبني شخصياتنا، ونكونها، ونصوغها وفق ما أمر الله (عز وجل)، لسنا في حاجة لأن يزيد عدد المسلمين عشرة، أو عشرين، أو مئة، أو ألف مليون، بقدر ما نحن بحاجة إلى أن يزيد عدد الرجال في المسلمين.

إن المسلمين كثير عددهم، ولكن الرجال قليل! وصدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذ يقول: "الناس كإبل مئة لا تكاد تجد فيها راحلة" (رواه مسلم عن ابن عمر).