• jQuery Image slider حفل تحضره الملائكة
  • jQuery Image slider الأخ النابـه المستشار عبد الله العقيل
  • jQuery Image slider يا منصف الأعلام ... إلى المستشار عبدالله العقيل
  • عربي
  • انجليزي
  • فرنساوى
  • أردى
« كلمة فضيلة المستشار

الإمام البنا والعودة إلى منهج القرآن

وسط هذا الظلام الدامس والضياع والتيه، الذي يتخبط فيه المسلمون انبرى رجال مصلحون على فترات من الزمن، جددوا أمر هذا الدين، وأحيوه في النفوس، وبعثوا الأمل في الأمة، وذكروها بالاعتصام بحبل الله والعودة إلى منهج القرآن الكريم، والالتزام به وتطبيقه، والاحتكام إليه، فبرز مجدد القرن الرابع عشر الهجري، الإمام الشهيد حسن البنا، الذي ربَّى جيلاً من الرجال، جددوا بفهمهم وسلوكهم وثباتهم وإصرارهم عهد السلف الصالح، فكانت قوافل الشهداء في فلسطين وسوريا وغيرهما، قافلة إثر قافلة، تسرع الخطى إلى جنات ربها، ملبية: "وعجلت إليك رب لترضى" (طه: 84).

فكان صبرهم واستشهادهم فاتحة الخير في هذا المد الإسلامي المتعاظم، والصحوة الإسلامية الرشيدة التي تنتظم العالم الإسلامي؛ بل العالم كله، "ولينصرن الله من ينصره إن الله لقويٌ عزيز" (الحج: 40)، فالدعاة إلى الله والمصلحون في كل مكان ثمرة هذه التربية على منهج القرآن الكريم التي لا زالت تخرج النوعيات النادرة والنماذج الفذة التي تتحمل المسؤوليات، وتستوعب المشكلات، وتصمد أمام التحديات، فالدعوات الدينية عمادها الإيمان قبل المال، والعقيدة قبل الأعراض الزائلة.

وإذا وجد المؤمن الصالح العامل الماهر وجدت معه كل وسائل النجاح، فأول القوة الإيمان، ونتيجة هذا الإيمان الوحدة، وعاقبة الوحدة النصر المؤزر المبين، والقلب الإنساني هو عصا التحويل، يقول الإمام البنا: "إن عامل الترام المختص بتحويل الشريط وتغيير اتجاه الترام، لا يحمل الترام فيوجهه حيث يشاء، إنما بعصا بسيطة هي عصا التحويل، وبغمزة خفيفة يحول الشريط، فيتحول الترام أو يتجه وجهته الجديدة دون عناء، فالقلب الإنساني ومعرفة الله هكذا: المعرفة الحقة هي عصا التحويل، فإذا مسَّت القلب الإنساني تحول من حال إلى حال، فإذا تحول فقد تحرك الإنسان كله، وإذا تحول الفرد تحولت الأمة، فلو أردت الإصلاح فأصلح القلب البشري بأن تعرفه بالله حق المعرفة".

يقول الإمام الشهيد مجدد القرن الرابع عشر الهجري:

"إن الأمة التي تحسن صناعة الموت وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة، يهب الله لها الحياة العزيزة في الدنيا والنعيم الخالد في الآخرة، وما الوهن الذي أذلنا إلا حب الدنيا وكراهية الموت، فأعدوا أنفسكم لعمل عظيم، واحرصوا على الموت توهب لكم الحياة. واعلموا أن الموت لابد منه، وأنه لا يكون إلا مرة واحدة، فإن جعلتموها في سبيل الله كان ذلك ربح الدنيا وثواب الآخرة، وما يصيبكم إلا ما كتب الله لكم، فاعملوا للموتة الكريمة تظفروا بالسعادة الكاملة".

لقد ربَّى الإمام البنا تلامذته على منهج القرآن الكريم، فكانت هذه الثمار اليانعة التي عمت العالم بفضل الله وكرمه، وتوفيقه ومنته، فحين أُنشئت الجامعة المصرية لم يكن يصلي فيها من الطلاب سوى أربعة أو خمسة مع الفراشين والخدم في زاوية منعزلة بعيدة عن الأنظار، ثم تكاثر إقبال الشباب على الإسلام في أرض الكنانة حتى صارت جامعاتها الآن، معظم طلابها وطالباتها من المسلمين الملتزمين بالإسلام.

وكذا الشأن في كل جامعات العالم العربي في سوريا والأردن والعراق ولبنان والسودان والجزيرة وشمال أفريقيا والخليج، بل وداخل الأرض المحتلة بفلسطين السليبة، وأضرب بالكويت مثلاً، فقبل عشرين عامًا كان يندر وجود المصلين بالمساجد من الشباب؛ بل معظم روادها من كبار السن، أما اليوم فهي ملأى - ولله الحمد - بجموعهم المباركة، وكذا الشأن في جامعة الكويت يوم أن فتحت، فلم يكن فيها سوى طالبة واحدة فقط تلتزم الحجاب الإسلامي، أما اليوم فمعظم طالباتها من المسلمات الملتزمات.

وكذا الكتاب الإسلامي هو الرائج والمطلوب في أنحاء العالم العربي والإسلامي، فالتعطش للإسلام وطلب الارتواء من مورده العذب، هو بغية الشباب في كل مكان.

وإذا كانت قوى الشر في الأرض، قد هالها هذا الإقبال على الإسلام، وهذا الحماس من شبابه، والاندفاع من الجماهير المسلمة، المطالبة بتطبيق أحكامه، فراحت تحشد آلات الدمار والهلاك هنا وهناك، وانطلقت تديرها حربًا طاحنة على الإسلام ودعاته، لوقف المد الإسلامي الزاحف، متهمة إياه بالإرهاب مرة وبالتطرف أخرى، وبالتعصب ثالثة، وأغرت عملاءها من المأجورين والسفهاء، لرصد النشاط الإسلامي، ووضع العراقيل في طريقه، متذرعة بكل وسيلة مشروعة أو غير مشروعة، حتى صارت بلاد المسلمين جميعًا، بلا استثناء، سجنًا كبيرًا يعيش الناس فيه كالقطعان التي تساق إلى مصارعها.

وراجت سوق النفاق، وكثرت الإمعات، وارتفع الغثاء، وضاع الإباء، ثم هيأ الله للحق ناصرًا، فأعّد هذه العصبة المؤمنة التي أُشرِبت قلوبها حب الله ورسوله، فوقفت بكل قوة أمام هذه الأعاصير الهوج، مدافعة عن حمى الإسلام، متفانية في نشر دعوته، عاكفة على تهيئة نفسها للمعركة الفاصلة بين الحق والباطل والإيمان والكفر والهدى والضلال، مرخصة كل غال ونفيس في سبيل الله وابتغاء مرضاته، تتزلزل الدنيا من حولها، وهي ثابتة، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

أسأل الله أن يدخر لي ولإخواني المسلمين هذا الخير، وهو الجهاد لإعلاء كلمته وإقامة شريعته، فضاعفوا الجهود، وأحكموا البناء، وسددوا الخطى، وقبل هذا وذاك أخلصوا النية لله، واطلبوا بجهادكم رضاه، وثقوا بأن هؤلاء الطغاة المنتفشين أضعف من أن يقفوا في وجه جنود الله الذين يتربون على منهج القرآن الكريم عقيدة وشريعة ومنهج حياة، والله أسأل أن يجعلنا من جنوده الصادقين العاملين، ويثبتنا على الحق حتى يأتينا اليقين، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد (صلى الله عليه وسلم)، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.