• jQuery Image slider حفل تحضره الملائكة
  • jQuery Image slider الأخ النابـه المستشار عبد الله العقيل
  • jQuery Image slider يا منصف الأعلام ... إلى المستشار عبدالله العقيل
  • عربي
  • انجليزي
  • فرنساوى
  • أردى
« كلمة فضيلة المستشار

جهود العلماء والحركات الإسلامية في وحدة الامة (1)

إن الحمد لله نحمده ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، اللهمَّ لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً.

كنت في دعوة الإخوان المسلمين منذ صباي، فقد كنت منذ سنة 1945م - وأنا طالب في متوسطة البصرة - ملتحقًا بهذه الجماعة بتأثير مجموعة من الدعاة الأساتذة الذين أوفدهم الأستاذ الإمام الشهيد حسن البنا - رحمه الله - إلي العراق، وكان منهم محمد عبد الحميد أحمد إلي البصرة، والدكتور حسين كمال الدين إلي كلية الهندسة ببغداد، والأستاذ محمود يوسف، والأستاذ محمود إبراهيم إلي دار المعلمين ببغداد وآخرون كثر.

كما أوفد - في الوقت نفسه، وفي التاريخ ذاته - إلي الكويت: الأستاذ عبد العزيز جلال مدرسًا، وأوفد في التاريخ ذاته، وفي السنة نفسها أيضًا: عبد الحميد فودة إلي البحرين، وأوفد أحمد زكي أيضًا إلي اليمن، وكل هؤلاء مدرسون، وقد أوفد معهم وقبلهم وبعدهم موفَدِين آخرين إلي الأردن، وسوريا، ولبنان، وفلسطين، أقول أيها الإخوة: ليست لدي محاضرة ولا حديث مفصل، ولكنها كلمة أو كليمة تتحدث عن هذه الحركة التي تركت آثارها في كل أصقاع العالم.

وأُشهد الله غير مُتألٍّ بأنني في كل تطوافي في الكثير من أنحاء العالم منذ كنت في الكويت مديرًا للشؤون الإسلامية، ومن خلال جولاتي في أفريقيا، وجنوب شرق آسيا، وأوروبا، وأمريكا، ومعظم أنحاء العالم، كنت أجد هذا الأثر، وكما ذكر أخي الشطي: إن أول زيارة لي إلي أوروبا كانت سنة 1960م، وكانت إلي ألمانيا في الشهر السابع، إن لم تخني الذاكرة، وجلت في مدن شتي فيها (ميونخ، وآخن، وشتوتغارت، وهامبورج، وهانوفر، وبون).

وكنتُ أجد في كل مدينة واحدًا أو اثنين أو ثلاثة ما بين طبيب أو مهندس أو اقتصادي من الإخوان المسلمين، ثم علمت أن هؤلاء جميعًا - بلا استثناء - قد غادروا مصر نتيجة الحكم الطاغوتي، وإذا بكل واحد منهم قد بذر بذرة صالحة، وجلسنا معهم في هذه المدن، فكانت جلساتنا معهم هي في واحة خضراء وسط صحراء قاحلة، فقلت لهم: هنيئًا لكم أنتم في بلاد المنكر ترونه بأعينكم، وتسمعونه بآذانكم، وتحسونه بواقعكم، وما زلتم مستعصمين بدينكم، بل أكثر من ذلك جمعونا بأناس من الألمان أنفسهم قد دخلوا الإسلام علي أيديهم، فأكبرنا هذا الجهد.

وهم - كما قلت لكم - بين طبيب ومهندس واقتصادي، ليس منهم أحد من علماء الشريعة، أو فقهائها، ولكن الخير المبثوث فيهم، والبذرة الحسنة التي أوجدت نتيجة التربية جعلت منهم دعاة إلي الله، فكانوا لا يدعون مجالاً من المجالات إلا ويتركون فيه أثرًا حسنًا، وهذه من علامات الرجل الصالح، حيثما حلَّ يترك أثرًا طيبًا، ثم تكررت زياراتي إلي أوروبا، وإلي أمريكا، بدءًا من عام 1968م إلي 1996م، وكنتُ عقب كل زيارة. أقوم بتقويم العمل، وإعطاء التقارير عن المراكز ومدي حيويتها ونشاطها وأهليتها وحاجتها للدعم، وأذكر أنني في سنة 1968م، حينما ذهبت إلي أمريكا، وهي أول زيارة لي إلي أمريكا، وجلست فيها شهرًا كاملاً أتجول من شرقها إلي غربها.

فكنت بفضل الله - عز وجل - أري الشباب من جنسيات مختلفة بما فيها جنسيات الدول الخليجية والجزيرة، فحمدت الله - عز وجل - علي ذلك، وإن لم تخني الذاكرة أيضًا أذكر أن فروع الـ إم. إس. إي/ (MSA) كانت سبعة عشر فرعًا، وعقب كل زيارة - وبين الزيارات ثلاث إلي أربع سنوات - أقوّم زيارتي الثانية علي ضوء الأولي، والثالثة علي ضوء الثانية.

وهكذا، فأجد أن الخط البياني في صعود، فأحمد الله - عز وجل - علي أن البذرة قد نمت وكبرت، واتسع نطاقها، وكثرت أشجارها، وأقول - أيها الإخوة - بعد هذه التقدمة: إن الإمام البنا - رحمه الله - كانت عنايته الأولي - رغم علمه المتبحّر، الذي لم نعرف طول باعه في العلم وعمقه إلا قبل سنواتٍ حين بدأ إخواننا في إصدار وجمع كل ما كُتب، وإذا بنا نواجه بعشرين مجلدًا مما كتبه الأستاذ البنا في توجيهاته، سواء تلك التي نشرها في الصحف، أو في حديث الثلاثاء أو في مجلات الإخوان.

أقول: كان الرجل يتحرك بالإسلام وللإسلام، وكانت عنايته الأولي في صنع الرجال وبنائهم، وهذا الرجل - رحمه الله - كما ذكر أخي الشطي - كتب الرسائل الموجزة كل الإيجاز، سهلة التناول من السهل الممتنع، والعبارة الواضحة الجلية، البعيدة عن الغموض، وطرحها كمفاهيم أولية وقاعدة يتفقه فيها من ينتسب إلي هذه الدعوة، وأسماها رسالة التعاليم، وضمنها أركان البيعة العشرة، وكان في مقدمتها الفهم، وقال: إن تفهم الإسلام في حدود هذه الأصول العشرين الموجزة كل الإيجاز، ثم بدأها من أول ركن، أو أول أصل فيها.

وقال: الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعًا، فهو دولة ووطن، وهو حكومة وأمة، وهو رحمة وقانون، وهو عدالة وقضاء، وهو جهاد ودعوة، وهو جيش وفكرة.. إلي آخر ما هنالك، ثم انتقل في الأصل الثاني ليبين لنا كيف نفهم هذا الإسلام ومصدر فهمه، فقال: والقرآن الكريم والسنة المطهرة مرجع كل مسلم في تعرّف أحكام الإسلام، ويفهم القرآن الكريم طبقًا لقواعد اللغة العربية من غير تكلف ولا تعسف، ويرجع في فهم السنة المطهرة إلي رجال الحديث الثقات، ثم يسترسل في ذكر بقية أصول الفهم العشرين، هذا الرجل العظيم والإمام المجدّد الذي ولد في سنة 1906م، وانتقل إلي رحمة الله في 12 من فبراير 1949م، يعني أنه عاش 42 سنة وبضعة أشهر، لكنك حينما تري الأثر الذي تركه، والجهود التي بذلها، وتقسمها علي هذه السنوات القصيرة مقسمًا هذه إلي أيام، ثم إلي ساعات تقول: كيف أوتي هذا الإنسان هذه البركة?

وقد تعجبون إذا قلت: إن الأستاذ البنا قد جال في أكثر من سبعة آلاف قرية ومدينة في داخل مصر، وهو مدرس ليست عنده إجازة إلا يوم الجمعة، يخرج يوم الخميس من المدرسة ليقوم بجولاته: هنا وعظ، هنا محاضرة، هنا درس، هنا صلاة جمعة، هنا تهجد، هنا قيام، هنا كتيبة، هنا أسرة، وهكذا، واستمر علي هذه الحال.. راتبه من مدرسته وجهده، وهو مدرس، ولم يدع التدريس إلا في سنة 1946م حينما أخرج مجلة الشهاب لتكون علي غرار مجلة المنار للشيخ محمد رشيد رضا؛ لأنه قد تولي إصدار المنار بعد وفاة الشيخ رشيد رضا - رحمه الله - فأصدر خمسة أعداد بترشيح من الشيخ المراغي، وبطلب من ورثة الشيخ رشيد رضا.

فأراد أن يصدر مجلة علمية تكون زادًا للإخوان في تخصصاتهم، وعند ذاك هجر التدريس سنة 1946م، ولكن.. لم يطل به المقام؛ ففي 8/ 12/ 1948م حلّت الإخوان، وفي 12 من فبراير 1949م اغتيل الإمام الشهيد من قِبل أعوان الطاغوت. أقول: هذا الرجل في عمره القصير هذا، استطاع أن يحقق جهدًا وطاقة استنفدها في الدعوة إلي الله ليل نهار، فكانت تكفيه الساعات القصار من النوم، ويكفيه الأكل القليل، وقد آتاه الله - عز وجل - قوة ويقينًا، وتحملاً للشدائد، وصبرًا علي الرحلات، وقهرًا للذات.

هذا الجهد الذي قام به الإمام البنا أيها الإخوة - لم يكن بمعزل عن العالم الإسلامي، بل كانت العالمية قائمة فيه، فهو كما سطر: إن دعوة الإخوان المسلمين تستمد عالميتها من الإسلام وشموله، فهي دعوة عالمية لا تختص بقطر. وكذلك عني عناية تامة بما يجري في العالم الإسلامي منذ بواكير أيامه وأذكر لكم شيئًا لم أعلمه إلا من عشر سنوات، حيث كنت أكتب عن الأخ عبد العزيز العلي المطوع، أخي أبي بدر - يرحمهما الله - وإذا بي وأنا أكتب ترجمته أجد في مجلة الإخوان المسلمين الصادرة يوم 22 من صفر 1352هـ الموافق 24/ 6/ 1933م أن الإخوان المسلمين قد افتتحوا لهم فرعًا في مدينة (جيبوتي) في الصومال سنة 1933م.

بمعني أنه إذا كان تأسيس الجماعة كان 1928م، فبعد خمس سنوات كان فتح فرع للجماعة خارج مصر، الأمر الآخر أيها الإخوة أن الأستاذ البنا في الوقت الذي ظهر فيه بدعوته كان المجتمع المصري أعلامه وسواده وعامته ونخبه ومثقفوه، تشغلهم قضية القومية المصرية والفرعونية، وإذا بالأستاذ البنا لا يتكلم بهذا الكلام، وإنما يتكلم عن مصر، ويجمع معها السودان، ويقول وادي النيل.. قضية وادي النيل، مشكلة وادي النيل.. يجب أن نبذل جهدنا في تحرير وادي النيل من الاستعمار البريطاني، المركز العام أيها الإخوة كان موئلاً لجميع الوافدين إلي مصر من أنحاء العالم الإسلامي، وقلّ أن تجد زعيمًا عربيًا أو إسلاميًا، أو وطنيًا جاء إلي مصر، ولم يكن الإخوان في صدارة من احتضنه، وقام بجهد له.

وأنا لا أتكلم من الذاكرة، فقد سطرت بعض النقاط لعلها تسعفني وتسعفكم وتدركون منها مدي اهتمام هذا الرجل بقضية وحدة العالم الإسلامي؛ لأنه - كما قلت لكم - هو منطلق من أن الإسلام دين شامل لكل مظاهر الحياة، وأنه دين البرية كلها، وأن مهمته ومهمة أتباعه أن ينقلوا هذا الإسلام إلي العالم كله، قلت لكم: إن الجماعة أسست في سنة 1928م، وكان عمره طبعًا اثنتان وعشرون سنة ، وانتبهوا يا أيها الإخوان والأخوات، ففي سنة 1931م، أي بعدها بثلاث سنوات أرسل الإمام البنا رسالة إلي مفتي فلسطين (محمد أمين الحسيني) يقول له بعد الديباجة: إن العالم الإسلامي كله يقدر لكم حسن جهادكم وسديد رأيكم في الدعوة إلي هذا المؤتمر المبارك؛ لأن محمد أمين الحسيني ومحمد علوبة باشا، وآخرين قاموا بجولات في الهند، وفي البلاد العربية.

أذكر أنهم جاءوا أيضًا إلي الزبير والكويت، وأشرت إلي هذا أيضًا في كتابي، ويقول: إن العالم الإسلامي كله يقدر لكم حسن جهادكم، وسديد رأيكم في الدعوة إلي هذا المؤتمر الإسلامي المبارك، والإخوان المسلمون بالديار المصرية يرمقون نتيجة هذا المؤتمر بقلوبهم، وينتظرون المواقف المشرفة التي ترفع رأس الإسلام والمسلمين، ولا شك أن الإخلاص أساس النجاح، وأن الله بيده الأمر كله، وأن أسلافكم الكرام لم ينتصروا إلا بقوة إيمانهم، وطهارة أرواحهم، وأن جماعة الإخوان المسلمين تشارككم فيما تقررون، وتقاسمكم عبء ما تتحملون، ونقترح إنشاء صندوق مالي إسلامي لشراء الأراضي لئلا تقع في يد اليهود، ونقترح إنشاء لجان للدفاع عن المقدسات الإسلامية يكون مركزها الرئيس في القدس أو مكة المكرمة، وفروعها في العالم الإسلامي كله، كما نقترح إنشاء جامعة فلسطين، وإصدار صحيفة إسلامية، ونشر الثقافة الإسلامية، والعناية بالتوعية والتوجيه والإرشاد بين الناس، والعمل علي تحقيق الوحدة الإسلامية، ووقف الهجرة الصهيونية" (يُتبع)